أعاد مقطع الفيديو الذي انتشر في دمشق، ويظهر فيه أحد السائقين وهو يصرخ في وجه شرطي مرور قائلاً “أنا استخبارات ولاك”، إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً ظل يرافق المشهد السوري منذ أكثر من عقد من الحرب والدمار: هل ما زال أنصار النظام، لا سيما المنتمون إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية، يتحكمون في مفاصل الدولة والمجتمع؟ وما الذي تكشفه مثل هذه الحوادث عن بنية السلطة بعد سنوات من الحرب، والإصلاحات الشكلية، وتبدلات الولاءات داخل النظام السوري؟
المشهد في ظاهره بسيط: سائق يتفاخر بانتمائه الأمني المزعوم، وشرطي مرور يحاول تطبيق القانون. لكن في عمقه، يعكس اختلالاً عميقاً في ميزان السلطة داخل سوريا، حيث لا تزال “الصفة الأمنية” تشكل بطاقة عبور فوق القانون، ورمزاً للهيمنة السياسية والاجتماعية التي أسس لها نظام الأسد منذ سبعينيات القرن الماضي. فالعبارة التي أطلقها الرجل، “أنا استخبارات ولاك”، لم تُسمع كجملة عابرة، بل كاستعادة لزمن الخوف الذي حكم فيه ضباط الأمن تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، من المدارس إلى الجامعات، ومن المؤسسات إلى الأسواق.
تكريس عبارة نحن الدولة
تاريخياً، قامت منظومة الحكم في سوريا على هيمنة الأجهزة الأمنية التي أسسها حافظ الأسد لتكون العمود الفقري للنظام. لم يكن الأمن مجرد مؤسسة، بل هوية سياسية تُعرّف علاقة المواطن بالدولة. فقد تماهى “الضابط” مع الدولة نفسها، وأصبحت عبارة “نحن الدولة” شعاراً غير معلن للحكم البعثي. ومع توريث السلطة لبشار الأسد عام 2000، لم يتغير جوهر هذه البنية، رغم محاولات تجميلها بخطاب إصلاحي أو انفتاح اقتصادي مؤقت. وعندما اندلعت الثورة عام 2011، ظهر الدور الحقيقي للأجهزة الأمنية في حماية النظام، لا من خطر خارجي، بل من شعبه.
ومع مرور أكثر من عقد على الحرب، يُفترض أن يكون النظام قد تعلم درس الكلفة الباهظة لسيطرة الأمن على كل مفاصل الحياة. إلا أن المشهد الأخير في دمشق يشير إلى أن البنية الذهنية ذاتها ما زالت قائمة. فالتفاخر بالانتماء الاستخباراتي، واستخدامه كأداة للترهيب، يكشف أن بعض عناصر أو أنصار النظام لا يزالون يتصرفون بعقلية “الامتياز الأمني”، الذي يمنح صاحبه شعوراً بأنه فوق القانون والمحاسبة.
مبدأ الولاء مقابل النفوذ
لكن اللافت هذه المرة لم يكن في سلوك الرجل، بل في رد فعل الجمهور. فالغضب الشعبي الذي اجتاح منصات التواصل، والدفاع الواسع عن شرطي المرور، يعكسان تحوّلاً في المزاج العام السوري. فالمجتمع، الذي عاش عقوداً من الصمت والخوف، بات أكثر جرأة في التعبير عن رفضه لهذه العقلية السلطوية، حتى داخل مناطق سيطرة النظام نفسه. لقد تحولت مواقع التواصل إلى فضاء للمساءلة الاجتماعية، في ظل غياب المساءلة القانونية. وهي ظاهرة جديدة نسبياً في سوريا، تدل على أن الهيمنة المطلقة التي كان يتمتع بها أنصار النظام بدأت تتآكل، ولو على مستوى الرمزية.
إلا أن هذا التآكل لا يعني بالضرورة أن نفوذ الأجهزة الأمنية قد انتهى. فالنظام السوري ما زال قائماً على معادلة دقيقة تقوم على مبدأ الولاء مقابل النفوذ. فأنصار الأسد، من ضباط الأمن وقادة الميليشيات ورجال الأعمال المرتبطين بالمنظومة الحاكمة، يسيطرون فعلياً على مفاصل الاقتصاد والإدارة المحلية والأمن الداخلي. وقد سمح لهم النظام بتوسيع صلاحياتهم مقابل استمرار ولائهم السياسي. وبذلك، تشكلت شبكة مصالح معقدة تجعل من “الولاء للنظام” بوابة لأي نفوذ، حتى في أبسط المناصب.
غير أن الحرب غيّرت بعض ملامح هذه الشبكة. فالكثير من الضباط الكبار الذين شكّلوا نواة السلطة الأمنية خلال عقدين مضيا، غادروا المشهد أو أُبعدوا لصالح وجوه جديدة أكثر ولاءً للأسد الابن. كما دخلت روسيا وإيران على خط النفوذ، فصار لبعض الأجهزة ولاءات متقاطعة بين دمشق وطهران وموسكو. هذه التركيبة الهجينة أضعفت المركزية القديمة التي كانت تتمتع بها المخابرات في عهد حافظ الأسد، لكنها لم تلغِ سطوتها بالكامل. بل تحولت إلى سطوة موزعة بين أجهزة متعددة، لكل منها مصالحها واقتصادها الخفي.
“أنا استخبارات ولاك”.. ونظام الحكم
في هذا السياق، يمثل السائق الذي قال “أنا استخبارات ولاك” صورة مصغرة لهذا الواقع: فرد منتمٍ أو متأثر بثقافة السلطة الأمنية القديمة، يعيش في بيئة لا تزال تمنحه شعوراً بأن الانتماء إلى “الأمن” يمنحه الحصانة، حتى إن لم يكن ضابطاً حقيقياً. فالثقافة التي أسسها النظام جعلت الانتماء إلى الجهاز الأمني لا يُقاس بالرتبة أو المنصب، بل بالرمز النفسي والاجتماعي الذي يمنحه. إنها عقلية “المخابراتي المواطن” التي تسربت إلى المجتمع السوري، حيث يتحول كثيرون إلى أدوات سلطة صغيرة، يحاكون سلوك الأجهزة في حياتهم اليومية.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة الحادثة كمؤشر على الفجوة المتزايدة بين مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية في سوريا. فشرطة المرور، رغم أنها مؤسسة نظامية، تُعد في الوعي الشعبي أقل مكانة من الأجهزة الأمنية التي طالما تمتع عناصرها بامتيازات خاصة. هذا التراتب الهرمي غير الرسمي، الذي يجعل “الأمن فوق الشرطة”، يعكس ضعف الدولة القانونية واستمرار تغوّل الدولة الأمنية. فالشرطي الذي يفترض أن يمثل القانون وجد نفسه أمام شخص يستخدم صفة أمنية لتحدي القانون نفسه، وهو مشهد يلخص مأزق الدولة السورية الحديثة: دولة ترفع شعار “سيادة القانون”، لكنها محكومة بمنظومة لا تخضع له.
رغم ذلك، ثمة ملاحظات تدعو للتوقف. فالحكومة السورية لم تتجاهل هذه الموجة الشعبية من الغضب، وبدأت وسائل إعلامها الرسمية وشبه الرسمية في الإشارة إلى أهمية “احترام القانون وهيبة الدولة”. هذا الخطاب، وإن بدا دعائيًا، يعكس إدراكاً ضمنياً بأن استمرار مظاهر التعالي الأمني يضر بصورة النظام في مرحلة يسعى فيها لإعادة بناء شرعيته داخلياً ودولياً. فالنظام الذي يقدم نفسه للعالم باعتباره ضامناً للاستقرار لا يستطيع تبرير وجود عناصر تتصرف بفوضى واستعلاء في الشارع.
أنصار الأسد والتحكم في مفاصل الدولة
إن حادثة “أنا استخبارات ولاك” لم تكن مجرد مشهد طريف من شوارع دمشق، بل مرآة عاكسة لبنية السلطة في سوريا ما بعد الحرب. فأنصار الأسد، خاصة أولئك المرتبطين بالمؤسسة الأمنية، ما زالوا يمسكون بخيوط أساسية في مفاصل الدولة، لكن سلطتهم لم تعد مطلقة كما كانت. لقد بدأ المجتمع السوري — حتى داخل مناطق النظام، يعبر عن رفضه لثقافة الخوف القديمة، في وقت يجد فيه النظام نفسه مضطراً لإعادة ضبط سلوك قواعده الشعبية والأمنية حفاظاً على توازنه الداخلي وصورته الخارجية.
العبارة التي صدمت السوريين، “أنا استخبارات ولاك”، ليست مجرد تهديد لشخص أو لشرطي مرور، بل تذكير بأن جروح السلطة الأمنية لم تندمل بعد، وأن معركة بناء دولة القانون في سوريا لم تبدأ فعلياً بعد. فطالما بقيت الصفة الأمنية أعلى من صفة المواطنة، سيظل السؤال مفتوحاً: من يحكم سوريا فعلاً الدولة أم من يتحدثون باسمها؟






