في وقت تتواصل فيه المجازر الإسرائيلية في قطاع غزة وسط حصيلة متصاعدة من الضحايا المدنيين، برزت إسبانيا كرأس حربة أوروبية تتبنى خطوات غير مسبوقة في مواجهة تل أبيب. فقد أعلن مجلس إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية، بأغلبية عشرة أصوات مقابل أربعة، انسحاب مدريد من مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن 2026” المقررة في فيينا، احتجاجاً على استمرار مشاركة إسرائيل رغم الاتهامات المتزايدة لها بارتكاب جرائم حرب. بهذا القرار، أصبحت إسبانيا أول دولة من الدول الكبرى الخمس في المسابقة (Big Five) التي تقاطع الحدث، مما وضع الاتحاد الأوروبي للإذاعة (UER) أمام ضغوط غير مسبوقة لاستبعاد إسرائيل.
الخطوة الإسبانية لم تأتِ في عزلة، إذ سبقتها مواقف مماثلة من دول مثل أيرلندا وسلوفينيا وآيسلندا وهولندا، التي أعلنت رفضها المشاركة إلى جانب إسرائيل. كما رحبت بها قوى سياسية داخلية، أبرزها نائبة رئيس الحكومة يولاندا دياز التي وصفت القرار بأنه “وقوف في الجانب الصحيح من التاريخ”، بينما دعت أطراف يسارية أخرى إلى توسيع المقاطعة لتشمل مجمل الفعاليات الثقافية والرياضية التي تشارك فيها إسرائيل. في المقابل، أثارت الخطوة جدلاً داخلياً، حيث رأى بعض المنتقدين أنها “توظيف انتخابي للقضية الفلسطينية” أكثر من كونها سياسة خارجية مستقلة.
الرياضة كساحة مواجهة
التوتر لم يقتصر على المجال الفني، بل امتد إلى الرياضة. فقد دعا رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز صراحة إلى استبعاد إسرائيل من جميع المنافسات الرياضية الدولية ما لم توقف عملياتها العسكرية في غزة، مقارناً الوضع بما جرى مع روسيا بعد غزوها أوكرانيا. تصريحات سانشيز جاءت في أعقاب أحداث شهدها سباق “فويلتا إسبانيا” للدراجات، حين اقتحم متظاهرون مؤيدون لفلسطين مضمار السباق في مدريد احتجاجاً على مشاركة فريق إسرائيلي، مما أدى إلى صدامات مع الشرطة أسفرت عن إصابة 22 شخصاً واعتقال اثنين. هذه الواقعة عززت الطابع الرمزي لموقف مدريد، وأعطت دفعة لخطاب الحكومة بشأن “ازدواجية المعايير” في التعامل الأوروبي مع الأزمات الدولية.
انقسام أوروبي بين التشدد والبراغماتية
الموقف الإسباني لاقى صدى في عواصم أوروبية أخرى. في روما، أكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني معارضة بلاده للعملية العسكرية الإسرائيلية، معتبراً أنها “تهدد المدنيين ولا يمكن تبريرها كدفاع عن النفس”. وشدد على ضرورة تسريع الجهود لوقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن. في المقابل، تبنت باريس موقفاً أكثر حذراً، إذ أدان الرئيس إيمانويل ماكرون استهداف المدنيين ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار، لكنه أكد في الوقت نفسه على “حق إسرائيل في الأمن”، مع طرح حل سياسي يقوم على “حل الدولتين”.
أما أيرلندا، فقد اتخذت نهجاً أكثر صرامة، إذ وصفت الهجوم الإسرائيلي بأنه “عقاب جماعي” وطالبت بفرض عقوبات أوروبية على تل أبيب إذا لم توقف عملياتها. هذا التباين يعكس الانقسام التقليدي داخل الاتحاد الأوروبي: بين دول تدفع نحو مواقف حازمة، وأخرى تسعى إلى صياغة مقاربة متوازنة تراعي الاعتبارات الداخلية والعلاقات عبر الأطلسي.
موقف الاتحاد الأوروبي تحت الضغط
على مستوى المؤسسات، جدد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد، جوزيب بوريل، دعوته إلى وقف إطلاق النار، محذراً من أن استمرار القصف الإسرائيلي يهدد استقرار المنطقة بأسرها ويعمق الكارثة الإنسانية في غزة. وأقرّ بوريل بأن الاتحاد يواجه ضغوطاً متزايدة من الرأي العام ومن شركائه الدوليين للتحرك بفعالية أكبر، سواء عبر فرض عقوبات أو إطلاق مبادرات دبلوماسية. غير أن الانقسامات بين الدول الأعضاء تجعل من الصعب صياغة موقف موحد، مما يترك الاتحاد في موقع المتأثر أكثر من المؤثر في مسار الأزمة.
قراءة أوسع: الثقافة والرياضة كساحات دبلوماسية
قرار مدريد الانسحاب من “يوروفيجن” والدعوة إلى عزل إسرائيل رياضياً يسلط الضوء على انتقال المواجهة مع تل أبيب من ساحات السياسة التقليدية إلى فضاءات الثقافة والرياضة، حيث يصبح الضغط الشعبي أكثر تأثيراً ويصعب على الحكومات تجاهله. بالنسبة لإسبانيا، فإن هذه الخطوات تمنحها موقع القيادة في معسكر أوروبي يزداد تشككاً في جدوى الصمت حيال الحرب في غزة. لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود الموقف الأوروبي الموحد، إذ لا تزال قوى رئيسية مثل فرنسا وألمانيا تتبنى مقاربة أكثر حذراً خوفاً من تداعيات دبلوماسية وأمنية.
وبينما ينتظر أن يحسم الاتحاد الأوروبي للإذاعة قراره النهائي بشأن مشاركة إسرائيل في ديسمبر المقبل، يبقى الموقف الإسباني بمثابة اختبار مزدوج: داخلياً لمدى قدرة الحكومة على تحويل المقاطعة إلى سياسة طويلة المدى، وخارجياً لمعرفة ما إذا كانت أوروبا قادرة على صياغة موقف جماعي يتجاوز الإدانات الخطابية نحو خطوات عملية تؤثر فعلياً على مسار الحرب.






