تواجه أوكرانيا ضغوطا متزايدة على جبهتين متوازيتين، مع استمرار الهجمات الروسية وتراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية اللازمة لحماية المدن والمنشآت الحيوية، بالتزامن مع ارتفاع كلفة الحرب وتزايد احتياجات التمويل. وفي هذا السياق، وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نداء جديدا إلى القادة الأوروبيين لتأمين إمدادات عاجلة من صواريخ «باتريوت» وتوفير مساعدات مالية إضافية خلال عام 2027.
وخلال قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول، طالب زيلينسكي بتوفير 300 صاروخ اعتراضي من طرازي PAC-2 وPAC-3، محذرا من أن الإمدادات المحدودة والمتباعدة لا تكفي لمواجهة الهجمات الصاروخية الروسية، خصوصا مع اقتراب فصل الشتاء وما يرافقه من مخاوف بشأن استهداف البنية التحتية للطاقة.
ولم تقتصر المطالب الأوكرانية على الجانب العسكري، إذ دعا زيلينسكي إلى تقديم مساعدات إضافية بقيمة 79 مليار دولار خلال عام 2027، في وقت تشير فيه التقديرات التي أوردها إلى أن الاحتياجات المالية المرتبطة بالحرب ستبلغ نحو 174 مليار دولار.
وتكشف هذه المطالب عن اتساع التحديات التي تواجه كييف، بين ضرورة الحفاظ على قدرتها على اعتراض الهجمات الجوية، وتأمين الموارد المالية اللازمة لاستمرار الحرب، في ظل تزايد الضغوط على الشركاء الغربيين وتنافس جبهات الصراع على الأسلحة والتمويل.
صواريخ باتريوت.. فجوة دفاعية تثير مخاوف كييف
تتصدر صواريخ باتريوت قائمة الأولويات العسكرية الأوكرانية، نظرا إلى قدرتها على اعتراض أنواع من الصواريخ الباليستية، إلى جانب أهداف جوية أخرى، ما يجعلها عنصرا مهما في منظومة الدفاع الجوي عن المدن والمنشآت الاستراتيجية.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في 15 أكتوبر/تشرين الأول، نقلا عن مسؤولين أوكرانيين، لم يتبق لدى كييف سوى نحو عشرة صواريخ باتريوت حتى 7 أكتوبر/تشرين الأول، وهو رقم يعكس، إذا تأكد، حجم الضغوط التي تواجهها منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية.
وقال زيلينسكي إن بلاده لا تستطيع الاعتماد على حصولها على صاروخين أو أربعة صواريخ من دولة واحدة كل بضعة أشهر، مؤكدا الحاجة إلى إمدادات أكثر انتظاما وقدرة على تلبية متطلبات المواجهة.
وتكمن المشكلة في أن نقص الصواريخ الاعتراضية لا يعني فقط تراجع عدد عمليات الاعتراض الممكنة، بل يفرض على القيادة العسكرية اتخاذ قرارات صعبة بشأن توزيع المخزون المتاح، وتحديد المواقع والمنشآت التي تحظى بالأولوية في الحماية.
ومع استمرار الهجمات الروسية، يصبح تأمين الإمدادات الجديدة عاملا مؤثرا في قدرة أوكرانيا على حماية بنيتها التحتية، ولا سيما منشآت الطاقة التي تكتسب أهمية إضافية خلال أشهر الشتاء.
الشرق الأوسط يضغط على الإمدادات الأمريكية
تواجه كييف صعوبة إضافية تتمثل في تزايد الطلب على أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية الصنع في مناطق أخرى، خصوصا في الشرق الأوسط، حيث تتنافس احتياجات العمليات العسكرية المختلفة على مخزونات محدودة من الصواريخ الاعتراضية.
ويضع هذا الوضع أوكرانيا أمام تحدي تأمين حصتها من الإمدادات الأمريكية في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى هذه الأسلحة لدى شركاء واشنطن الآخرين.
كما أشار زيلينسكي إلى تراجع أولوية بلاده في الحصول على الصواريخ الاعتراضية الأمريكية، في تصريح يعكس مخاوف كييف من أن تؤدي التحولات في أولويات واشنطن إلى إبطاء وصول المعدات التي تحتاج إليها.
وتتجاوز تداعيات هذا النقص الجانب العسكري المباشر، إذ إن استمرار عدم اليقين بشأن الإمدادات يفرض على أوكرانيا التخطيط وفق مخزون محدود، ويزيد أهمية البحث عن مصادر بديلة داخل أوروبا.
ومع ذلك، فإن قدرة الدول الأوروبية على سد الفجوة تبقى مرتبطة بمخزوناتها الخاصة، وحاجاتها الدفاعية، وقدرتها على تعويض الصواريخ التي قد تنقلها إلى كييف.
اليونان وإسبانيا.. لماذا تتردد أوروبا في تسليم الصواريخ؟
تكشف صعوبات تأمين صواريخ باتريوت عن تباين بين الرغبة الأوروبية في مساندة أوكرانيا والاعتبارات الأمنية التي تحكم قرارات الدول المالكة لهذه الأنظمة.
ووفقا لتقارير صحفية، رفضت اليونان وإسبانيا نقل صواريخ من طراز PAC-2 إلى أوكرانيا، رغم الضغوط التي تعرضتا لها من جانب حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
وتخشى أثينا أن يؤدي تقليص مخزونها من الصواريخ الاعتراضية إلى إضعاف قدراتها الدفاعية الجوية، بينما تتحفظ مدريد على خفض مخزوناتها في ظل عدم اليقين بشأن موعد حصولها على صواريخ بديلة.
وتعكس هذه المواقف معضلة تواجهها العواصم الأوروبية: فدعم كييف يتطلب توفير أسلحة متطورة، لكن نقل هذه الأسلحة قد يترك فجوات في دفاعات الدول المانحة نفسها.
كما أن تسليم الصواريخ لا يتعلق بالكميات المتاحة فقط، بل يشمل أيضا الاعتبارات الفنية والتشغيلية، ومدى توافق الذخائر مع الأنظمة المستخدمة، والقدرة على تعويض المخزونات في الوقت المناسب.
وبالتالي، فإن مطالبة زيلينسكي بتوفير 300 صاروخ لا تعني أن أوروبا قادرة على تسليم هذه الكمية فورا، إذ يتوقف تنفيذ الطلب على قرارات سياسية وعسكرية، فضلا عن قدرات الإنتاج والتوريد.
من باتريوت إلى «فريا».. هل تبحث أوروبا عن استقلال دفاعي؟
في مواجهة الاعتماد على الإمدادات الأمريكية، أشاد زيلينسكي بالجهود الرامية إلى تطوير برنامج أوروبي للدفاع ضد الصواريخ الباليستية يحمل اسم «فريا»، داعيا إلى تعزيز الاستقلال التكنولوجي الأوروبي في مواجهة التهديدات الصاروخية.
ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لدى كييف بأن الاعتماد على أنظمة أجنبية، مهما بلغت فعاليتها، يظل مرتبطا بقرارات الدول المنتجة وأولوياتها السياسية والعسكرية.
لكن تطوير منظومات أوروبية قادرة على مواجهة الصواريخ الباليستية يتطلب استثمارات كبيرة، واختبارات فنية، وتنسيقا بين الدول المشاركة، فضلا عن سنوات من العمل قبل الوصول إلى قدرة تشغيلية واسعة النطاق.
ولذلك، لا يمثل هذا المسار حلا فوريا للنقص الحالي في الصواريخ الاعتراضية، بقدر ما يعكس توجها طويل الأمد لتقليص الاعتماد على الإمدادات الخارجية وتعزيز قدرة أوروبا على حماية مجالها الجوي.
وفي الأجل القريب، ستظل كييف بحاجة إلى مزيج من الدعم الأمريكي والأوروبي، بالتوازي مع تطوير قدراتها الدفاعية المحلية.
79 مليار دولار إضافية.. الحرب تختبر قدرة أوكرانيا المالية
على الجبهة المالية، طالب زيلينسكي بتقديم مساعدات إضافية بقيمة 79 مليار دولار خلال عام 2027، مشيرا إلى أن الاحتياجات المالية المرتبطة بالحرب قد تصل إلى 174 مليار دولار.
وتعكس هذه الأرقام حجم العبء الذي تتحمله المالية العامة الأوكرانية في ظل استمرار العمليات العسكرية، والحاجة إلى تمويل الإنفاق الدفاعي، والحفاظ على عمل مؤسسات الدولة، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
وأقرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالحاجة إلى تقديم دعم مالي إضافي لأوكرانيا، داعية الشركاء الدوليين إلى المساهمة في تأمين الموارد اللازمة.
غير أن توفير التمويل لا يرتبط بحجم الاحتياجات وحده، بل يتوقف أيضا على قدرة الدول المانحة على تخصيص موارد إضافية، والتوافق السياسي بشأن آليات الدعم، وشروط استخدام الأموال ومراقبتها.
ويعني ذلك أن استمرار المساندة المالية الغربية سيظل عاملا مهما في قدرة كييف على مواصلة الحرب، لكنه يضع في المقابل ضغوطا متزايدة على الموازنات العامة للدول الداعمة.
الأصول الروسية المجمدة.. حل مالي أم معركة قانونية؟
ضمن الخيارات المطروحة لتأمين التمويل، ناقش القادة الأوروبيون إمكانية الاستفادة من أصول روسية مجمدة تتجاوز قيمتها 220 مليار دولار، بهدف دعم أوكرانيا.
ويثير هذا الخيار خلافات قانونية ومالية تتعلق بالتمييز بين استخدام عوائد الأصول المجمدة والاستيلاء على أصل الأموال نفسها، فضلا عن التداعيات المحتملة على الثقة بالنظام المالي الأوروبي والتزامات الدول بمبادئ حماية الملكية.
ويرى مؤيدو استخدام هذه الأصول أن روسيا ينبغي أن تتحمل جزءا من تكاليف الحرب والأضرار التي لحقت بأوكرانيا، بينما يحذر المتحفظون من المخاطر القانونية والمالية التي قد تترتب على اتخاذ خطوات تتجاوز الأطر المعمول بها.
ومن ثم، فإن حجم الأصول المجمدة لا يعني بالضرورة إمكانية تحويلها بالكامل إلى تمويل متاح لكييف، إذ يظل الأمر مرتبطا بالقرارات القانونية والسياسية والآليات التي يمكن اعتمادها.
ويبرز هذا النقاش باعتباره أحد أهم الملفات التي ستحدد قدرة أوروبا على مواصلة دعم أوكرانيا من دون تحميل الموازنات الوطنية كامل التكلفة.
الديون الأوكرانية.. عبء يتجاوز ساحة المعركة
إلى جانب الحاجة إلى تمويل العمليات العسكرية، تواجه أوكرانيا تحديا متناميا يتمثل في ارتفاع الدين العام وتكاليف خدمته.
ووفقا لأرقام منسوبة إلى وزارة المالية الأوكرانية نقلتها وكالة «سبوتنيك»، أنفقت البلاد نحو 124.3 مليار دولار على سداد ديونها العامة منذ وصول زيلينسكي إلى السلطة عام 2019، من بينها 37.14 مليار دولار خُصصت للفوائد وتكاليف مرتبطة بالدين، بدلا من سداد أصل المبالغ المقترضة.
وتشير البيانات نفسها إلى أن الدين العام الأوكراني بلغ نحو 215.55 مليار دولار بنهاية أغسطس/آب 2026، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط المالية التي تواجهها البلاد في ظل استمرار الحرب.
لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءتها في سياقها المالي الكامل، بما يشمل تطور سعر الصرف، وتراكم الاقتراض، وحجم المساعدات الخارجية، والتمييز بين سداد الديون وإعادة تمويلها. كما أن ارتفاع الدين لا يفسر وحده الوضع المالي للدولة، ما لم يقترن بتحليل الإيرادات والإنفاق والالتزامات المستقبلية.
ومع ذلك، فإن استمرار الاقتراض وتكاليف الفوائد يضيّقان هامش المناورة المالية لكييف، ويجعلان تأمين المنح والمساعدات الميسرة أكثر أهمية لتجنب تحويل العبء العسكري إلى أزمة مالية طويلة الأمد.
أوكرانيا أمام معادلة مزدوجة.. الصمود العسكري والاستدامة المالية
تكشف المطالب الأوكرانية الأخيرة عن ترابط متزايد بين مسار الحرب وقدرة الدولة على تمويلها. فالصواريخ الاعتراضية ضرورية لحماية المدن والمنشآت الحيوية، بينما يمثل الدعم المالي شرطا لاستمرار المؤسسات العامة وتغطية النفقات الدفاعية والاقتصادية.
وفي المقابل، تواجه الدول الأوروبية معضلة توزيع مواردها بين دعم أوكرانيا والحفاظ على جاهزيتها العسكرية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الدفاعية في مناطق مختلفة من العالم.
ولا تتوقف المسألة عند تأمين 300 صاروخ أو توفير 79 مليار دولار، بل تتعلق بقدرة الشركاء الغربيين على بناء آلية دعم مستقرة يمكن لكييف الاعتماد عليها في التخطيط العسكري والمالي خلال عام 2027.






