مرّت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا منذ استقلال أسمرة في تسعينيات القرن الماضي بمسار متعرج بين التقارب الحذر والقطيعة الصلبة. وقد مثّل اتفاق السلام الموقع عام 2018 لحظة مفصلية أنهت رسميًا حالة العداء المفتوحة، وفتحت الباب أمام تسوية سياسية برعاية إقليمية ودولية واسعة. غير أن هذا المسار لم يصمد طويلًا أمام اختبارات الواقع، إذ تعثّر تنفيذ التفاهمات الأساسية، وتآكلت الثقة تدريجيًا، قبل أن تعود الخلافات إلى الواجهة بعد انتهاء حرب التيجراي أواخر عام 2022. ومع غياب ترتيبات أمنية مستقرة بعد تلك الحرب، عاد منسوب التوتر إلى الارتفاع بين أديس أبابا وأسمرة، وصولًا إلى أجواء تعبئة عسكرية غير مسبوقة مطلع عام 2026.
حشود على الحدود ورسائل حرب مؤجلة
تُظهر التحركات العسكرية على جانبي الحدود الإثيوبية–الإريترية أن مرحلة التهديدات الضمنية دخلت حيّز الجدية العملية. تقارير متطابقة تحدثت عن حشد وحدات عسكرية منذ منتصف فبراير، مع تصاعد لافت في العشرين من الشهر نفسه، في سياق استعدادات لمواجهة قيل إنها أُجّلت أكثر من مرة منذ نهاية حرب التيجراي. اللافت في هذا السياق أن أديس أبابا استبعدت أسمرة من ترتيبات السلام التي أعقبت تلك الحرب، رغم الدور الحاسم الذي لعبته القوات الإريترية في دعم الحكومة الإثيوبية خلال لحظات مفصلية. هذا الاستبعاد عمّق الشعور في أسمرة بأن الشراكة السابقة تحوّلت إلى عبء سياسي، وأن إثيوبيا تعيد تموضعها الإقليمي على حساب حليف الأمس.
عقدة المنفذ البحري: الجغرافيا كذريعة سياسية
عاد ملف وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر ليؤجّج الخلافات بوتيرة أعلى. فقد أعاد رئيس الوزراء آبي أحمد طرح مسألة “الخنق الجغرافي” بوصفها أزمة وجودية، مستخدمًا خطابًا يتدرج بين المطالبة بمنفذ “آمن” والتلميح بإمكانية التحرك العسكري “الضروري” للحصول على منفذ سيادي. هذا الطرح يجد صدى شعبيًا داخل إثيوبيا، ويُستثمر سياسيًا بوصفه امتدادًا لسرديات تعبئة وطنية سبق توظيفها في ملف سدّ النهضة. في المقابل، تنظر إريتريا إلى هذه المطالب باعتبارها تهديدًا مباشرًا لسيادتها، ولا سيما مع تركيز الخطاب الإثيوبي على ميناء عصب القريب من الحدود. وبينما تواصل أديس أبابا تثبيت حضور لها في إقليم أرض الصومال، ترى أسمرة أن المسار نفسه قد يتحول سابقة تفتح الباب أمام تقويض سيادة دول الإقليم تباعًا.
تبادل الاتهامات واتساع رقعة الخصومة الإقليمية
لم يقتصر التوتر على الخلاف حول المنفذ البحري. فإثيوبيا تتهم إريتريا بدعم حركات تمرّد داخل أقاليم أمهرة وأوروميا، وبالضلوع في تحركات داخل إقليم التيجراي عبر قنوات غير مباشرة. وقدّمت أديس أبابا شكاوى للأمم المتحدة بهذا الخصوص، قبل أن تطالب رسميًا بسحب قوات إريترية من مناطق تقول إنها دخلتها خلال الشهور الماضية. في المقابل، ترى أسمرة أن السياسات الإثيوبية، المدعومة من قوى إقليمية، تستهدف إعادة هندسة موازين القوة في القرن الإفريقي على حساب سيادة الدول الأصغر. ومع تشابك ملفات السودان وأرض الصومال والبحر الأحمر، لم تعد الخصومة بين البلدين ثنائية الطابع، بل باتت جزءًا من شبكة اصطفافات إقليمية مرشحة لتحويل أي صدام مباشر إلى مواجهة أوسع نطاقًا.
حرب إقليمية محتملة… وتعدد الجبهات
ما يجعل سيناريو الحرب أكثر خطورة هو احتمالية تحوّله سريعًا إلى نزاع إقليمي مفتوح. فالدعم الخارجي المتوقع لكل طرف قد يرفع مستوى المواجهة من اشتباك حدودي محدود إلى حرب متعددة الجبهات. داخليًا، يضيف الوضع في إقليم التيجراي عامل تفجير إضافيًا، إذ إن حشود القوات الفيدرالية على تخوم الإقليم تتزامن مع إعادة تعبئة فصائل محلية مناوئة للحكومة المركزية. بهذا المعنى، قد تجد إثيوبيا نفسها أمام جبهات متزامنة: حدودية مع إريتريا، وداخلية في التيجراي وأقاليم أخرى، ما يعقّد الحسابات العسكرية ويرفع كلفة أي مغامرة تصعيدية.
كلفة الحرب على اقتصاد هش
تأتي هذه التعبئة في لحظة اقتصادية حرجة بالنسبة لإثيوبيا، التي ما زالت تحاول ترميم اقتصاد أنهكته حرب التيجراي. التقديرات الدولية تشير إلى خسائر بشرية واسعة وتكلفة اقتصادية باهظة تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات خلال تلك الحرب. أي مواجهة جديدة مع إريتريا من شأنها أن تُجهض مساعي إعادة هيكلة الديون، وتبدد آمال التعافي الاقتصادي. وعلى الرغم من الفرص الدبلوماسية التي أتاحتها زيارات إقليمية رفيعة المستوى في الأسابيع الماضية لتهدئة التوتر، بدا أن الخطاب الإثيوبي يوظف تلك المحطات لتكريس سردية “المنفذ البحري” باعتبارها أولوية وجودية، بما يضع الاعتبارات التنموية في مسار تصادمي مع الاستقرار الإقليمي.
خطاب مزدوج: احترام السيادة… وتلويح بالقوة
يحمل خطاب آبي أحمد مفارقة لافتة بين التأكيد العلني على احترام سيادة دول الجوار ونفي النيات التوسعية، وبين الإصرار على أن الوصول إلى البحر الأحمر ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل. هذا التناقض يضعف صدقية الرسائل الإثيوبية لدى الجوار الإقليمي، ويعزز المخاوف من أن يكون الربط بين “الأطماع الجغرافية” وبقاء النظام جزءًا من استراتيجية تعبئة داخلية لتجاوز أزمات الشرعية والتماسك الداخلي. في المقابل، تسعى إريتريا إلى تحصين موقعها عبر توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية، تحسبًا لأي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة.
اليوم التالي: مسار التهدئة أم منطق الصدام؟
تتقاطع دعوات محلية ودولية إلى تجنب الحرب مع تحذيرات من أن عسكرة المشهد ستفاقم الأزمات الإنسانية في أقاليم هشة، خصوصًا التيجراي، حيث لا تزال آثار الحرب السابقة حاضرة في الخدمات والبنى التحتية. ورغم وجود مقترحات عملية لبناء الثقة وخفض التصعيد وفتح ممرات إنسانية، لا تظهر مؤشرات جدية على تبنّي مسار تهدئة مستدام حتى الآن. ومع استمرار الحشود والتحريض المتبادل، يبقى الإقليم أمام مفترق طرق بين تصعيد محسوب قد يفتح باب تفاهمات متأخرة، أو انزلاق إلى مواجهة مفتوحة ستكون كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية أكبر من قدرة دول القرن الإفريقي على تحمّلها.
في المحصلة، لا يبدو أن الحرب قدر محتوم، لكنها احتمال واقعي يتغذّى من تراكم الأزمات وسوء إدارة الخلافات. والرهان الحقيقي اليوم ليس على موازين القوة العسكرية وحدها، بل على قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على كبح منطق الصدام قبل أن يتحول القرن الإفريقي إلى مسرح حرب جديدة متعددة الأطراف.






