في خطوة غير مسبوقة داخل المعسكر الغربي، أعلنت إسبانيا رفضها المشاركة، ولو بشكل غير مباشر، في الحرب الدائرة ضد إيران. القرار لم يقتصر على موقف سياسي، بل تُرجم إلى إجراءات ميدانية واضحة، أبرزها إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المرتبطة بالعمليات العسكرية، ما وضع مدريد في مواجهة مفتوحة مع إدارة دونالد ترامب.
من الرفض السياسي إلى التعطيل العملياتي
قرار حكومة بيدرو سانشيز لم يكن مجرد إعلان رمزي، بل خطوة عملية ذات تأثير مباشر على سير العمليات العسكرية. فقد أكدت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس أن استخدام القواعد الأمريكية في الأندلس، وكذلك المجال الجوي الإسباني، «غير مسموح به» في إطار الحرب على إيران.
هذا القرار يُعقّد بشكل ملموس العمليات الأمريكية، إذ يفرض على الطائرات العسكرية إعادة رسم مساراتها الجوية، بما في ذلك الالتفاف حول شبه الجزيرة الأيبيرية والدخول عبر مضيق جبل طارق، ما يزيد من التكاليف اللوجستية ويؤثر على سرعة الانتشار.
قواعد عسكرية خارج الحسابات… مؤقتًا
ورغم هذا التشدد، حرصت مدريد على عدم كسر الاتفاقيات الثنائية بالكامل. إذ لا تزال القواعد الأمريكية، مثل قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية، تعمل ضمن الإطار المتفق عليه تاريخيًا منذ اتفاق 1953.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن هذه القواعد لم تعد متاحة لدعم العمليات المرتبطة بالحرب في إيران، إلا في حالات الطوارئ القصوى، ما يعكس محاولة إسبانيا تحقيق توازن دقيق بين التزاماتها الدولية وموقفها السياسي الرافض للحرب.
تصعيد سياسي بين مدريد وواشنطن
الموقف الإسباني أثار ردود فعل حادة من واشنطن. فقد وصف سانشيز الحرب بأنها «غير قانونية» و«خطأ جسيم»، ما دفع ترامب إلى التلويح بإجراءات انتقامية، شملت التهديد بتجميد العلاقات التجارية الثنائية.
هذا التصعيد يكشف عن تصدع غير مسبوق في العلاقات بين حليفين داخل حلف شمال الأطلسي، خاصة في ظل انتقادات أمريكية متكررة لمدريد بسبب عدم رفع إنفاقها العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الهدف الذي تدفع به إدارة ترامب بقوة.
انعكاسات أوسع: اختبار لوحدة المعسكر الغربي
القرار الإسباني يتجاوز ثنائي مدريد–واشنطن، ليطرح تساؤلات أعمق حول تماسك المعسكر الغربي في مواجهة الأزمات الدولية. فبينما تدعم بعض الدول العمليات الأمريكية، اختارت إسبانيا موقعًا مختلفًا، يعكس توجّهًا أوروبيًا متزايدًا نحو الاستقلالية الاستراتيجية.
كما أن هذا الموقف قد يشجع دولًا أخرى على اتخاذ مواقف مشابهة، خاصة إذا استمرت الحرب دون غطاء دولي واضح أو نتائج ملموسة.
سيادة القرار مقابل ضغوط التحالف
ما قامت به إسبانيا يمثل تحولًا نوعيًا من الاعتراض الخطابي إلى الفعل السيادي المؤثر. فإغلاق الأجواء ورفض استخدام القواعد العسكرية ليس مجرد رسالة سياسية، بل خطوة تعيد رسم حدود التعاون العسكري داخل التحالفات التقليدية.
وفي ظل تصاعد التوتر مع واشنطن، يبدو أن مدريد اختارت اختبار قدرتها على التوازن بين الضغوط الأمريكية ومتطلبات سياستها الداخلية والخارجية—وهو اختبار قد تكون نتائجه حاسمة لمستقبل العلاقات عبر الأطلسي.






