في تطور جديد على صعيد المفاوضات المعقدة بين إسرائيل وحركة “حماس”، كشفت “هيئة البث الإسرائيلية” يوم أمس الثلاثاء عن إحدى أبرز النقاط الخلافية التي تعرقل جهود التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب المستعرة في قطاع غزة. فقد نقلت الهيئة عن مصدر إسرائيلي رسمي أن جوهر الخلاف يدور حول إصرار إسرائيل على تفكيك الجناح العسكري لحركة “حماس”، وهو شرط تعتبره تل أبيب غير قابل للتفاوض في أي صيغة اتفاقية مستقبلية.
ويأتي هذا الكشف في وقت يتواصل فيه الجمود في المفاوضات غير المباشرة التي ترعاها أطراف إقليمية ودولية بهدف إنهاء القتال المتصاعد منذ أشهر، والذي أسفر عن كارثة إنسانية غير مسبوقة في القطاع المحاصر. وبحسب ما ورد، تصر إسرائيل على أن الحل المستدام لا يمكن أن يتحقق ما لم يتم القضاء كليًا على القدرة العسكرية لحركة “حماس”، معتبرة أن بقاء جناحها العسكري يعني الإبقاء على تهديد وجودي لدولة إسرائيل، وهو ما ترفضه الحركة التي ترى في سلاحها وسيلة “مشروعة للمقاومة” ضد الاحتلال.
هذا الشرط الإسرائيلي، الذي تصفه حماس بـ”التعجيزي”، يعكس عمق المأزق السياسي والعسكري الذي وصلت إليه الأزمة. ففي حين تطالب الحركة بوقف شامل لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، إلى جانب إعادة الإعمار والإفراج عن الأسرى، تضع إسرائيل سقفًا تفاوضيًا عاليًا يتمثل في “تصفية البنية التحتية للمقاومة المسلحة”، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول جدوى أي مسار تفاوضي في ظل انعدام أرضية التفاهم بين الطرفين.
ووسط هذه الأجواء، تتصاعد الضغوط على الوسطاء الدوليين، خصوصًا الولايات المتحدة ومصر وقطر، من أجل إيجاد صيغة وسط تحفظ لإسرائيل أمنها وتسمح بتهدئة ميدانية، دون أن يُنظر إليها كرضوخ لحماس أو شرعنة لوجودها المسلح. إلا أن التوازن بين هذه الأهداف يزداد تعقيدًا مع كل يوم إضافي تستمر فيه العمليات العسكرية، ومع كل صورة جديدة للدمار الذي طال أحياء بأكملها في غزة.
ومن شأن هذا الشرط الإسرائيلي أن ينعكس سلبًا على فرص تحقيق أي اختراق قريب، خاصة أن حركة “حماس” ترى أن مطلب نزع سلاحها ليس إلا محاولة لإعادة فرض واقع سياسي جديد في القطاع تحت مظلة إسرائيلية مباشرة أو عبر سلطة فلسطينية تُفرَض فرضًا. وهذا ما أكدته أكثر من مرة، سواء عبر تصريحات رسمية أو عبر موقفها في جولات التفاوض السابقة.
أما في إسرائيل، فقد بدا واضحًا أن هذا الشرط يلقى تأييدًا واسعًا من المؤسسة العسكرية والأمنية، التي تعتبر أن عملية “السور الحديدي” لا يمكن أن تُختم دون تحطيم البنية القتالية لحماس، ما يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر لم تعد خيارًا مطروحًا في الأجندة الاستراتيجية.
وبين هذا وذاك، يبقى المدنيون في غزة هم الخاسر الأكبر، في ظل غياب أي أفق واضح للحل، واستمرار الخطابات المتصلبة من كلا الجانبين، في وقت تتردى فيه الأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، وتتعاظم فيه الدعوات الدولية إلى وقف فوري لإطلاق النار. لكن على ما يبدو، فإن واقع الميدان لا يزال يفرض منطقه على طاولة السياسة، ويؤجل ولادة أي تسوية تُخرج المنطقة من حلقة الدم المتكررة.






