تشهد الساحة الإعلامية السورية والعراقية جدلاً واسعاً بعد أن فجّر المحامي السوري المعتصم الكيلاني قضية المواطن السوري محمد حسن، الذي حكم عليه بالإعدام في العراق، في واقعة تعكس التداخل الحاد بين القضايا السياسية والحقوقية في المنطقة، وتعري واقع التعاون الأمني والقضائي بين الدولتين في سياقات شديدة الحساسية.
منشور الكيلاني على “فيسبوك” لم يكن مجرد تصريح قانوني، بل شكّل شرارةً لاحتجاج رقمي وشعبي متصاعد، بعد أن أعلن فيه أنه وجّه عريضة عاجلة إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان – مكتب العراق، مطالباً بالتدخل الفوري لوقف تنفيذ الحكم الذي وصفه بأنه “انتهاك صارخ لحقوق الإنسان”.
خلفيات القضية وتفاصيلها
تعود الواقعة، وفق رواية الكيلاني، إلى اعتقال محمد حسن (22 عاماً) في مطلع عام 2025، إثر نشره على صفحته الشخصية مقطع فيديو يُظهر عملية اعتقال أحد عناصر ميليشيا النجباء العراقية في سوريا من قِبل مقاتلين من “الجيش السوري الحر”.
وبحسب ما ورد، فقد تعرض الشاب أثناء التحقيق لـ تعذيب شديد وصعق كهربائي وإجبار على التوقيع على اعترافات لم يُسمح له بقراءتها أو الاطلاع على محتواها، دون حضور محام. ورغم ذلك، أصدرت محكمة جنايات النجف في 27 أكتوبر/تشرين الأول حكماً بإعدامه شنقاً حتى الموت استناداً إلى المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، التي تجرّم “كل من يحرض أو يمول أو يشارك في أعمال تهدد الأمن الوطني وتثير الفتنة الطائفية”.
هذه المادة – التي أُثير حولها جدل واسع منذ إقرارها – تُمنح بموجبها السلطات العراقية صلاحيات واسعة في توصيف الجرائم، وغالباً ما تُستخدم ضد متهمين سياسيين أو أشخاص على صلة بنزاعات إقليمية.
تضارب الروايات وتباين المواقف
مع تصاعد الغضب الشعبي، تناقلت منصات محلية تصريحات لذوي الشاب السوري، الذين أكدوا أن ابنهم اعتُقل بسبب مقطع مصوَّر للرئيس السوري أحمد الشرع، وليس لأي صلة بتنظيمات متطرفة. فيما أضافت العائلة أن السلطات عثرت في هاتفه على فيديو لمقاتلين من الجيش الحر، وهو ما اعتبرته النيابة العراقية دليلاً على “تمجيد الإرهاب”.
وفي المقابل، أصدر مجلس القضاء الأعلى في العراق بياناً نفى فيه صحة الادعاءات المتداولة على مواقع التواصل، مؤكداً أن الحكم الصادر لا يتعلق بنشر فيديو للرئيس السوري، وإنما بـ“تمجيد الإرهابي أبو بكر البغدادي”، وفق تعبيره، متهماً بعض الحسابات الإلكترونية بـ“تزييف الوقائع لأهداف سياسية”.
أما وزارة الخارجية السورية، فقد سارعت إلى إعلان أنها تتابع القضية عبر القنوات الدبلوماسية، بناءً على توجيهات الوزير، بغرض التحقق من صحة الوثائق المنشورة، واصفةً الحادثة بأنها “قضية إنسانية حساسة لا تحتمل المزايدة”.
أبعاد سياسية وإنسانية
القضية لا تبدو معزولة عن المشهد الإقليمي المشحون، إذ تمثل نموذجاً دقيقاً لتقاطع ملفات السياسة والأمن وحقوق الإنسان. فبينما يؤكد العراق أن القضاء مستقل ويتعامل مع “جرائم الإرهاب” بصرامة، ترى منظمات حقوقية أن تطبيق القانون رقم 13 لسنة 2005 بات أداة سياسية أكثر منه تشريعاً جزائياً، يُستخدم أحياناً لتصفية حسابات ذات طابع مذهبي أو إقليمي.
كما أن الهوية السورية للمحكوم بالإعدام تضيف بعداً معقداً، في ظل العلاقات المتوترة بين الفصائل المسلحة في سوريا وبعض المليشيات العراقية المدعومة من أطراف خارجية. وهو ما جعل الحكم يُقرأ في بعض الأوساط السورية كـ رسالة سياسية موجهة أكثر من كونه إجراءً قانونياً.
الرأي العام والتحركات الشعبية
مع انتشار القصة، شهدت مدينة حمص مظاهرة أمام ساحة الساعة، نظمها ذوو الشاب وأبناء بلدته حسياء، مطالبين دمشق بالتحرك العاجل. وأعادت المظاهرة إلى الأذهان مشاهد التضامن الشعبي التي ترافق عادة قضايا السوريين في الخارج، خاصة تلك التي تنطوي على اتهامات بالإرهاب.
في المقابل، حذّر ناشطون من الانجرار وراء روايات غير موثوقة قد تستغل المشاعر العامة لإثارة التوتر بين الشعبين السوري والعراقي، داعين إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية.
تكشف هذه القضية عن هشاشة الثقة بين المجتمعات العربية فيما يخص العدالة العابرة للحدود، وعن غياب آليات حماية فعّالة للموقوفين الأجانب في قضايا ذات طابع سياسي أو أمني. كما أنها تبرز مأزق التوازن بين مكافحة الإرهاب واحترام الحقوق الأساسية للإنسان، خاصة في بيئات ما بعد الحرب، حيث تختلط السياسة بالأمن والدين بالقانون.
وإذا لم تُحسم هذه القضية بشفافية وعدالة، فإنها قد تُسهم في تأجيج التوترات بين دمشق وبغداد، وتفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول استقلال القضاء، ونزاهة التحقيقات، وقدرة الأنظمة القضائية على التعامل بإنصاف مع الأجانب في قضايا حساسة.
بذلك، لا تُعدّ قضية محمد حسن مجرد ملف قضائي، بل مرآة تعكس هشاشة العلاقة بين الأمن والعدالة في المنطقة، وتختبر مدى صدق الشعارات الحقوقية في مواجهة حسابات النفوذ والسياسة.






