أقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث مدير وكالة استخبارات الدفاع، الجنرال جيفري كروس، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية. قرار الإقالة جاء بعد أيام من نشر صحيفة “واشنطن بوست” لتفاصيل تقرير داخلي أعدته الوكالة حول الضربات العسكرية الأميركية التي استهدفت مواقع نووية إيرانية، حيث خلص التقرير إلى أن هذه الضربات لم تُدمّر البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، بل لم تؤد سوى إلى تأخيره لبضعة أشهر.
هذا التقييم الفني والاستخباراتي بدا متناقضاً مع الرواية الرسمية التي روج لها كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ أكدا أن الضربات “قضت بالكامل” على قدرة إيران النووية.
التباين بين التقييمات الميدانية والمزاعم السياسية
مصادر مطلعة أشارت إلى أن التبرير الرسمي للإقالة صيغ بعبارة “فقدان الثقة”، لكن سياق الأحداث يكشف أن السبب الحقيقي مرتبط بصدام جوهري بين المؤسسة الاستخباراتية والسلطة السياسية. إذ أن تسريب التقييم الأولي للوكالة إلى وسائل الإعلام كان بمثابة تحدٍ مباشر للسردية الرسمية الأميركية، وأظهر حجم الهوة بين المعطيات الميدانية والتصريحات العلنية التي تهدف بالدرجة الأولى إلى طمأنة الداخل الأميركي وحشد الدعم الخارجي.
هيغسيث أعلن في وقت سابق فتح تحقيق داخلي حول تسريب التقرير، واصفاً ما حدث بأنه “مدفوع سياسياً”، لكنه في الوقت ذاته لم يتردد في إعادة التأكيد على أن الضربات “دمرت قدرة إيران النووية”، في تناقض صارخ مع تقارير أعدتها وكالة تتبع وزارته نفسها.
السياق العسكري والإقليمي
تأتي هذه التطورات في أعقاب مواجهات غير مسبوقة اندلعت في يونيو الماضي بين إسرائيل وإيران استمرت 12 يوماً، اتخذت خلالها الحرب منحى خطيراً شمل اغتيال علماء نوويين وقصف مواقع استراتيجية. التدخل الأميركي كان حاسماً عبر استهداف منشآت نووية رئيسية في فوردو ونطنز وأصفهان، وهو ما دفع إيران إلى الرد بضرب قاعدة العديد في قطر. وبرغم أن الهجوم لم يسفر عن خسائر، إلا أن التصعيد أفضى إلى إعلان مفاجئ من ترامب بوقف لإطلاق النار بين تل أبيب وطهران، في مشهد بدا أقرب إلى تسوية اضطرارية منه إلى نصر استراتيجي.
موجة إقالات وتغييرات عميقة
إقالة كروس لم تكن حادثة معزولة، بل هي جزء من سلسلة تغييرات عميقة طالت كبار القادة العسكريين والأمنيين في عهد هيغسيث. فقد أُعفي رئيس هيئة الأركان المشتركة، ورئيس وكالة الأمن القومي، وقائد البحرية، فضلاً عن قادة أجهزة أخرى حساسة. كما أعلن البنتاغون أن قائد سلاح الجو ديفيد ألفين سيغادر منصبه مبكراً، في حين خفّض مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية ميزانيته وعدد موظفيه، في مؤشر على إعادة هيكلة أوسع داخل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأميركية.
دلالات وتحديات
ما يجري يعكس بوضوح حجم التوتر بين صانعي القرار السياسي والمستويات الاستخباراتية والميدانية. فبينما تسعى الإدارة إلى تقديم صورة متماسكة للرأي العام مفادها أن البرنامج النووي الإيراني “تم تحييده بالكامل”، تأتي التقييمات المهنية لتكشف أن الأضرار محدودة ومؤقتة. هذا التناقض يطرح تساؤلات عميقة حول مدى استقلالية الأجهزة الاستخباراتية الأميركية وقدرتها على نقل صورة واقعية للحقائق بعيداً عن ضغوط البيت الأبيض والبنتاغون.
كما أن استمرار الغموض بشأن الوضع الفعلي للمنشآت النووية الإيرانية، في مقابل خطاب سياسي متشدد، يزيد من احتمالات اهتزاز الثقة بين المؤسسة العسكرية والرأي العام الأميركي، بل وحتى بين واشنطن وحلفائها في المنطقة.






