قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، إن مصر خسرت نحو 20 مليار دولار من عوائد قناة السويس خلال السنوات الأخيرة، عازياً ذلك إلى حالة عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة، وفي مقدمتها تداعيات الحرب في قطاع غزة وأزمة الملاحة في البحر الأحمر.
وتكشف أرقام هيئة قناة السويس عن حجم التأثير الذي أصاب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في الاقتصاد المصري؛ فقد تراجعت إيرادات القناة من مستوى قياسي بلغ 10.25 مليارات دولار في 2023 إلى نحو 3.99 مليارات دولار في 2024، بانخفاض يقارب 61%.
لكن ماذا تعني خسارة 20 مليار دولار؟ وكيف انتقلت أزمات إقليمية ودولية متتالية إلى قطاع يمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري؟
قناة السويس.. مصدر رئيسي للعملة الصعبة
لا تقتصر أهمية قناة السويس بالنسبة لمصر على كونها ممراً مائياً عالمياً، إذ تمثل إيراداتها أحد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية للبلاد.
وبين عامي 2019 و2024، حققت القناة إجمالي إيرادات بلغ نحو 39.9 مليار دولار، وفق بيانات هيئة قناة السويس. وخلال هذه الفترة ارتفعت الإيرادات تدريجياً من 5.8 مليارات دولار في 2019 إلى مستوى قياسي بلغ 10.25 مليارات دولار في 2023.
غير أن هذا المسار انعكس بصورة حادة مع اندلاع أزمة البحر الأحمر.
من 10.25 مليارات إلى 3.99 مليارات دولار
كانت سنة 2023 استثنائية بالنسبة للقناة، سواء من حيث عدد السفن أو الإيرادات. فقد عبرتها 26,434 سفينة خلال العام، محققة إيرادات بلغت 10.25 مليارات دولار، وهو أعلى مستوى سنوي في تاريخها بحسب الهيئة.
لكن في 2024، تراجعت حركة السفن إلى 13,213 سفينة، وانخفضت الإيرادات إلى 3.991 مليارات دولار. كما تراجعت الحمولات الصافية بنسبة كبيرة نتيجة تحول عدد من شركات الملاحة إلى طرق بديلة.
وكان العامل الأبرز هو اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بعدما دفعت المخاطر الأمنية شركات شحن إلى تغيير مسار سفنها والدوران حول رأس الرجاء الصالح.
لماذا تؤثر أزمة البحر الأحمر على مصر؟
تعمل قناة السويس على اختصار المسافة البحرية بين آسيا وأوروبا مقارنة بالمسار حول جنوب أفريقيا. ولذلك فإن تحويل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح يعني بالنسبة لشركات الملاحة رحلة أطول وتكاليف تشغيلية أعلى.
لكن بالنسبة لمصر، تعني هذه الخطوة شيئاً آخر: السفن التي لا تمر بالقناة لا تدفع رسوم العبور.
وقد أكدت هيئة قناة السويس أن التوترات الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب أدت إلى تغيير العديد من الخطوط الملاحية مساراتها، مع انعكاسات على مدة الرحلات والتكاليف التشغيلية للنقل البحري.
وهكذا انتقلت تداعيات الصراع من منطقة جغرافية محدودة إلى قطاع حيوي من الاقتصاد المصري.
السيسي يربط الخسائر بسلسلة أزمات
وخلال الاجتماع الذي عقده في مقر القيادة الإستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وضع السيسي أزمة قناة السويس ضمن سلسلة أوسع من الصدمات التي تعرض لها الاقتصاد المصري منذ عام 2020.
وأشار إلى تداعيات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والحرب في قطاع غزة، معتبراً أن هذه التطورات فرضت ضغوطاً متتالية على الاقتصاد المصري.
ويأتي الحديث عن قناة السويس في هذا السياق باعتبارها مثالاً واضحاً على كيفية انتقال الأزمات الخارجية إلى الاقتصاد المحلي، خصوصاً في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات العملة الأجنبية من السياحة والتحويلات والاستثمار وإيرادات القناة.
هل بدأت القناة في التعافي؟
رغم الانخفاض الكبير في 2024، تشير بيانات هيئة قناة السويس إلى وجود مؤشرات على تحسن حركة الملاحة لاحقاً.
فخلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026، ارتفع عدد السفن العابرة بنسبة 5.8%، وزادت الحمولات الصافية بنسبة 16%، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 18.5% مقارنة بالفترة نفسها من السنة المالية السابقة.
وفي فبراير/شباط 2026، قالت الهيئة إن 1,315 سفينة عبرت القناة منذ بداية العام، محققة إيرادات بلغت 449 مليون دولار، مقابل 1,243 سفينة وإيرادات قدرها 368 مليون دولار خلال الفترة المقابلة من العام السابق.
كما أعلنت الهيئة في ديسمبر/كانون الأول 2025 أن إيراداتها خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر سجلت 1.970 مليار دولار، مقابل 1.677 مليار دولار في الفترة المقابلة من العام السابق.
هذه الأرقام لا تعني عودة الإيرادات فوراً إلى مستويات 2023، لكنها تشير إلى أن استقرار الوضع الأمني في البحر الأحمر يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في استعادة جزء من حركة الملاحة.
الاقتصاد المصري بين الصدمات الخارجية والضغوط الداخلية
وفي حديثه، لم يضع السيسي أزمة القناة بمعزل عن التطورات الداخلية في مصر. فقد أشار إلى أن الأحداث التي شهدتها البلاد بين 2011 و2013 أدت، بحسب تقديره، إلى انكماش اقتصادي، وأن آثار تلك الفترة تحتاج إلى سنوات للتعافي.
كما تحدث عن أهمية الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة واستغلال مواردها، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصادية مرتبطة بارتفاع تكلفة التمويل والحاجة إلى العملة الأجنبية وتداعيات الأزمات الإقليمية.
ومن هذا المنظور، تصبح قناة السويس أكثر من مجرد مصدر للإيرادات؛ فهي أحد المؤشرات الحساسة على مستوى الاستقرار الإقليمي وحركة التجارة العالمية.
غزة.. البعد السياسي في الحسابات المصرية
وربط السيسي بين الوضع الإقليمي والأمن القومي المصري، مؤكداً أن محاولات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، بحسب قوله، “لم ولن تنتهي”.
كما شدد على أن الخيار الإستراتيجي لمصر هو السلام، وأن القضية الفلسطينية تمثل القضية المركزية في الشرق الأوسط، مع تأكيده دعم حل الدولتين.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، التي ترتبط جغرافياً وأمنياً بقطاع غزة، فيما كان للحرب في القطاع تداعيات مباشرة على أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة في قناة السويس.
سد النهضة.. جبهة أخرى للضغط
وفي الملف الإقليمي، تطرق السيسي أيضاً إلى الخلاف مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، مؤكداً تمسك مصر بالحلول الدبلوماسية والسلمية، مع التشديد على أن ذلك لن يكون، وفق تعبيره، على حساب وجود مصر ومصالح شعبها.
وتتفاوض مصر وإثيوبيا، إلى جانب السودان، منذ سنوات بشأن قواعد ملء وتشغيل السد الذي بدأت أديس أبابا بناءه على النيل الأزرق عام 2011.
وتطالب القاهرة باتفاق ملزم بشأن تشغيل السد بما يحمي مصالحها المائية، بينما تقول إثيوبيا إن السد مشروع تنموي لتوليد الكهرباء وإنها لا تستهدف الإضرار بمصالح دول المصب.
وقد شهد مسار المفاوضات فترات من التوقف والاستئناف دون التوصل إلى اتفاق نهائي شامل.
خسارة القناة تكشف هشاشة الاقتصاد أمام الأزمات الإقليمية
تكشف قضية الـ20 مليار دولار التي تحدث عنها السيسي عن جانب أوسع من التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري: كلما طال أمد الاضطراب في المنطقة، أصبح تأثيره على مصادر النقد الأجنبي أكثر وضوحاً.
فالقناة لا تتحكم في عدد السفن التي تعبرها ولا في قرارات شركات الملاحة عندما تتغير حسابات الأمن والتكلفة. وفي المقابل، فإن عودة الاستقرار في البحر الأحمر يمكن أن تمنح مصر فرصة لاستعادة جزء من الحركة التي فقدتها خلال السنوات الماضية.
وتشير البيانات الرسمية بالفعل إلى تحسن تدريجي في حركة العبور والإيرادات، لكن المسار الكامل للتعافي سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالتطورات الأمنية والسياسية في البحر الأحمر والمنطقة المحيطة به، وبقرارات شركات النقل البحري بشأن مساراتها التجارية.






