تشهد المرحلة السياسية، التي تعيشها سوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد، طوراً بالغ الحساسية، حيث تتشابك فيها محاولات بناء الشرعية الجديدة مع رغبة دفينة في إعادة كتابة التاريخ الوطني، وتحديد ملامح النظام السياسي الذي يسعى الرئيس أحمد الشرع لتكريسه. المرسوم رقم 188 لعام 2025، الذي أصدره الشرع لتحديد العُطل الرسمية، ليس مجرد إجراء إداري أو تنظيم لشؤون العاملين في الدولة؛ بل هو خطوة سياسية رمزية بامتياز، تكشف عن اتجاهات السلطة الجديدة، وعن رغبتها في طيّ صفحة الماضي وفتح أخرى تحمل بصمة الثورة، ولكنها في الوقت نفسه، تثير تساؤلات حول حدود هذا التحول ومآلاته.
بين الرمزية السياسية وإعادة تعريف الهوية الوطنية
إضافة يومي «عيد التحرير» و«عيد الثورة السورية» إلى قائمة العُطل الرسمية تمثل إعلاناً صريحاً عن انحياز النظام الجديد إلى سردية الثورة، ومحاولة لترسيخها كجزء من الذاكرة الوطنية الرسمية، بعد عقود من الهيمنة الرمزية لنظام الأسد على التاريخ السوري. فالمرسوم لا يكتفي بتكريم لحظة سقوط النظام السابق (8 ديسمبر) بوصفها عيداً وطنياً، بل يذهب أبعد من ذلك عبر تثبيت يوم انطلاق الثورة (18 مارس) كحدث مؤسس لسوريا الجديدة.
في المقابل، فإن إلغاء مناسبات كانت تمثل ركائز رمزية في دولة البعث، مثل «ثورة الثامن من آذار» و«حرب تشرين» و«عيد الشهداء»، يحمل دلالة انتقامية واضحة من النظام السابق، ويعكس رغبة في محو رموزه ومناسباته من المجال العام، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول ما إذا كانت هذه الخطوات تندرج في إطار “تحرير الذاكرة”، أم في سياق “تصفية رمزية” تستبدل أيديولوجيا بأخرى.
في المجتمعات الخارجة من الصراع، عادة ما تُعتمد سياسات “العدالة الانتقالية الرمزية” لإعادة تعريف الهوية الجمعية، لكن حين تنزلق هذه العملية إلى الانتقام الرمزي، فإنها قد تُعيد إنتاج الانقسام لا تجاوزه.
قرارات الشرع بين الانتقام السياسي وإعادة بناء الدولة
من الناحية الواقعية، لا يمكن قراءة مرسوم الأعياد ولا العملية الانتخابية الأخيرة بمعزل عن السياق العام الذي يحاول الشرع فيه تثبيت حكمه. فالرئيس الجديد ورث دولة منهكة، منقسمة، وتخترقها الولاءات المحلية والطائفية، ويبدو أنه يسعى إلى إعادة بناء الشرعية على أساس جديد يقوم على “الثورة والدستور”، بدلاً من “الجيش والحزب”.
لكن مع ذلك، فإن المرسوم يكشف عن طابع “تأديبي” في مقاربة الشرع للماضي، إذ يركز على محو الرموز البعثية دون طرح مصالحة وطنية شاملة أو سردية جامعة، ما يجعل كثيرين يرون أن الشرع يتعامل مع الدولة بوصفها ضحية لنظام الأسد، فيخلط بين تفكيك النظام السابق ومحو الدولة نفسها من ذاكرتها المؤسسية.
التحول من “عطلة حرب تشرين” إلى “عيد الثورة” هو أكثر من تبديل في التواريخ، إنه إعادة ترميز للبطولة والانتصار، من “تحرير الجولان” إلى “تحرير الوطن من النظام”، وهذه الرمزية – رغم أهميتها الثورية – قد تُقرأ في مناطق معينة كإقصاء لهوية سياسية كاملة، خصوصاً أن أنصار النظام السابق ما زالوا فاعلين في بعض مفاصل الإدارة والمؤسسة العسكرية.
الانتخابات التشريعية.. خطوة نحو الاستقرار أم تأجيج للانقسام؟
أما الانتخابات التشريعية التي جرت أخيراً، فتشكل أول اختبار سياسي حقيقي للنظام الجديد بعد الإطاحة بالأسد. ورغم الإقبال اللافت، خصوصاً من النساء والحقوقيين، فإن غياب التوازن في النتائج، واستبعاد محافظات بأكملها لأسباب “أمنية”، وغياب المرأة عن قوائم الفائزين، تثير علامات استفهام حول مدى نضج التجربة الديمقراطية الوليدة.
إصرار الشرع على المضي قدماً في الانتخابات، في ظل أوضاع أمنية واقتصادية هشّة، يمكن تفسيره بمحاولة لإضفاء طابع مؤسسي على سلطته، لكنه أيضاً يعكس رهانه على “نخبة تكنوقراطية” قادرة على سنّ القوانين وبناء الدولة. فالمؤشرات تشير إلى أن غالبية المنتخبين هم حقوقيون واقتصاديون، أي من الفئات التي يعوّل عليها الشرع في مرحلة صياغة التشريعات الجديدة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.
غير أن هذا التركيز على “الكوادر والنخب” دون إشراك سياسي واسع قد يُنتج برلماناً تقنياً فاقداً للتمثيل الشعبي، ويكرس الطابع “المركزي النخبوي” للمرحلة الانتقالية، ما يُبقي الشارع خارج دائرة الفعل، ويمنح السلطة التنفيذية اليد العليا في تقرير المسار التشريعي.
بين الإصلاح السياسي والهندسة الاجتماعية
تبدو السياسات الجديدة وكأنها محاولة لإعادة هندسة المجتمع السوري وفق تصور جديد للدولة – دولة القانون والمؤسسات، ولكن أيضاً دولة الثورة والانتصار. إلا أن غياب التوازن بين الرمزية الوطنية والعدالة الشاملة قد يهدد بتكريس الانقسام الجغرافي والسياسي.
الانتخابات أظهرت حضوراً واسعاً للنساء كمشاركات، لكن غيابهن عن الفوز يعكس استمرار العقلية الذكورية في التمثيل السياسي، بينما حضور رجال الدين المعتدلين – مثل الشيخ عبد الرحمن كوكي – يوحي برغبة النظام في دمج المؤسسة الدينية ضمن الإطار المدني للدولة، دون السماح لها بتشكيل مرجعية سياسية. هذه المقاربة البراغماتية قد تساعد الشرع في تحييد التيارات الدينية، لكنها في الوقت نفسه قد تثير حفيظة القوى العلمانية التي ترى في “الاستيعاب الديني” تهديداً لطابع الدولة المدنية المنشودة.
بين التأسيس والانتقام
الرئيس أحمد الشرع يسير على حبل مشدود بين بناء شرعية جديدة قائمة على الثورة، وبين خطر الوقوع في منطق الانتقام السياسي من الماضي. المرسوم 188 والانتخابات التشريعية كلاهما يحملان مؤشرات على رغبة النظام الجديد في إعادة هيكلة الدولة السورية من جذورها، لكن نجاح هذا المشروع مرهون بقدرته على تحويل الثورة من حدث رمزي إلى عقد اجتماعي جامع.
إذا استطاع الشرع أن يوازن بين العدالة والمصالحة، وبين الذاكرة والهوية، فقد يفتح الباب أمام استقرار سياسي طويل المدى. أما إذا غلبت على سياساته نزعة “المحو والقصاص”، فإن سوريا قد تجد نفسها في مواجهة انقسام جديد، أكثر عمقاً من ذاك الذي أسقط نظام الأسد.






