تضع المفاوضات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام اختبار صعب، في ظل استمرار المواجهة بشأن مضيق هرمز، وتباعد مواقف الطرفين حيال شروط التهدئة. وبين الضغوط العسكرية والحسابات الانتخابية، تبرز تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها، ومدى تأثير الأزمة في موقعها الاستراتيجي وأمن إمدادات الطاقة العالمية.
مفاوضات متعثرة وحسابات انتخابية ضاغطة
يعكس تعثر المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران صعوبة تحويل الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى تسوية سياسية مستقرة. فبعد انهيار التفاهمات الأولية التي كان يُفترض أن تفتح الباب أمام خفض التصعيد، عاد الطرفان إلى تبادل الضغوط، وسط خلافات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز وشروط استئناف المفاوضات.
وكانت مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو/حزيران 2026 تهدف إلى إطلاق مفاوضات تستمر 60 يوما، غير أن استئناف الأعمال العدائية في يوليو/تموز أعاد الأزمة إلى نقطة أكثر تعقيدا، قبل أن تنتهي المهلة المقررة من دون التوصل إلى تسوية دائمة.
وفي نهاية سبتمبر/أيلول، رفض ترامب مقترحا إيرانيا لإعادة فتح المضيق، بينما تمسكت طهران بشروطها المسبقة، ما ضيق هامش المناورة الدبلوماسية أمام الطرفين.
وتشير هذه التطورات إلى أن إدارة ترامب تواجه معضلة تتجاوز الخلاف على تفاصيل الاتفاق؛ إذ تسعى إلى انتزاع تنازلات إيرانية من دون الانجرار إلى مواجهة طويلة ومكلفة، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية الداخلية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي.
ومن هذا المنظور، قد يتحول وقف التصعيد إلى أداة لإدارة الأزمة بما يتناسب مع الحسابات السياسية للبيت الأبيض، بدلا من أن يكون خطوة ضمن مسار واضح نحو تسوية مستدامة.
تراجع هامش المناورة أمام البيت الأبيض
تواجه استراتيجية ترامب معضلة أساسية تتمثل في الفجوة بين الأهداف المعلنة والقدرة على فرضها على أرض الواقع. فالتصعيد العسكري لا يضمن بالضرورة إخضاع الخصم، كما أن التراجع عن الأهداف المعلنة قد يضعف صورة الردع الأميركي ويثير انتقادات داخلية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم محاولات واشنطن الدفع نحو تجميد الأعمال العدائية باعتبارها سعيا إلى احتواء المخاطر، بالتزامن مع الحفاظ على الضغط على القيادة الإيرانية.
لكن هذه المقاربة تصطدم بحسابات طهران، التي ترى أن التنازل تحت الضغط قد يقوض قدرتها على التفاوض مستقبلا. ومن ثم، فإن التهديد باستئناف العمليات العسكرية لا يضمن استجابة إيرانية، بل قد يدفعها إلى مواصلة استخدام أوراق الضغط المتاحة لديها.
وتزداد صعوبة هذا التوازن مع اقتراب الانتخابات النصفية، التي قد تؤثر نتائجها في قدرة الرئيس على تمرير سياساته والحفاظ على الدعم السياسي اللازم لمواصلة المواجهة.
وبين الرغبة في إظهار الحزم وتجنب حرب مفتوحة، تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام خيارات محدودة، لا يخلو أي منها من تكاليف سياسية أو استراتيجية.
إضعاف المؤسسات.. كيف تشكلت دائرة القرار؟
لا تقتصر أسباب التعثر على حسابات المواجهة مع إيران، بل تمتد، وفق التحليل الذي يستند إلى كتاب الصحفيين الأميركيين ماجي هابرمان وجوناثان سوان، تغيير النظام، إلى طبيعة عملية صنع القرار داخل البيت الأبيض.
ويطرح هذا التحليل تساؤلات بشأن تأثير تهميش بعض الشخصيات التقليدية في المؤسسة الأميركية، وتراجع دور المؤسسات التي تقدم التقديرات الاستخباراتية والعسكرية في مراجعة الخيارات الرئاسية.
فوجود مؤسسات قادرة على تقييم المخاطر ومناقشة البدائل يمثل عاملا أساسيا في صنع القرار الاستراتيجي، خصوصا عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة العسكرية في مواجهة خصم يمتلك وسائل غير تقليدية.
ووفق الرواية الواردة في المادة الأصلية، لعبت شخصيات مقربة من ترامب دورا مؤثرا في تنظيم تدفق المعلومات إلى الرئيس، بينما اتسع تأثير بعض الأطراف الخارجية في توجيه النقاش بشأن إيران. كما أُثيرت تساؤلات عن مدى تأثير التحفظات العسكرية والاستخباراتية في القرار النهائي بالتدخل.
وفي هذا الإطار، يبرز دور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الدفع نحو مواجهة أكثر تشددا مع طهران، وفق ما تنسبه المادة إلى تحقيقات صحفية أميركية.
ولا يعني ذلك أن تهميش المؤسسات يفسر وحده تعثر الاستراتيجية الأميركية، لكنه يسلط الضوء على المخاطر التي تنشأ عندما تضيق دائرة النقاش وتضعف آليات مراجعة القرارات، ولا سيما في الأزمات التي تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
استنزاف القدرات العسكرية واختبار الردع الأميركي
أحد أبرز التحديات التي تطرحها المواجهة مع إيران يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على مواصلة العمليات العسكرية مع الحفاظ على جاهزية قواتها والتزاماتها في مناطق أخرى.
فالحروب التي تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات غير المتكافئة تفرض على الجيوش المتقدمة تحديات تتجاوز التفوق التكنولوجي؛ إذ يمكن أن يؤدي الاستخدام المتكرر للذخائر الدفاعية باهظة الثمن إلى استنزاف المخزونات ورفع كلفة التصدي للهجمات.
وتثير التقارير المتعلقة بالضغوط على مخزونات بعض الأنظمة الأميركية المتقدمة، ومنها باتريوت وثاد، تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على إدارة مواجهة طويلة من دون التأثير في استعداداتها العسكرية الأوسع.
وتكمن المشكلة في أن التفوق العسكري لا يُقاس فقط بامتلاك الأسلحة الأكثر تطورا، بل أيضا بالقدرة على استخدامها بصورة مستدامة، وتأمين الإمدادات، وحماية القواعد والقوات، وتحقيق الأهداف السياسية التي شُنت العمليات من أجلها.
ومن هنا، فإن تعثر تحقيق الأهداف المعلنة قد يفتح نقاشا داخل الولايات المتحدة بشأن جدوى الاستراتيجية المتبعة، ومدى التناسب بين تكاليف المواجهة والنتائج التي حققتها.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الإيرانية الأهم
يمثل مضيق هرمز أحد أهم محاور المواجهة، بالنظر إلى موقعه في منظومة إمدادات النفط والغاز العالمية. ولذلك، فإن اضطراب الملاحة فيه لا يقتصر تأثيره على الدول المطلة على الخليج، بل يمتد إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين.
وتمنح قدرة إيران على تهديد حركة السفن في المضيق طهران ورقة ضغط استراتيجية، حتى في ظل الفارق الكبير في القدرات العسكرية التقليدية بينها وبين الولايات المتحدة.
وتكشف الأزمة عن معادلة معقدة: فواشنطن تستطيع حشد قدرات بحرية وجوية كبيرة لحماية الملاحة، لكن ضمان مرور آمن ومستقر للسفن يتطلب أكثر من مجرد التفوق العسكري؛ إذ يعتمد أيضا على احتواء المخاطر، وتوفير الردع، ومنع تجدد الهجمات.
وتشير البيانات التي أوردتها المادة الأصلية عن حركة السفن إلى أن استئناف بعض عمليات العبور لا يعني بالضرورة عودة الملاحة إلى طبيعتها. فقد تواصل شركات الشحن تعديل مساراتها وإجراءاتها الأمنية، في ظل المخاطر المرتفعة وعدم اليقين بشأن استقرار الوضع.
كما أن الحديث عن رسوم عبور أو ترتيبات مالية مرتبطة بمرور بعض السفن يثير تساؤلات بشأن طبيعة السيطرة الفعلية على الممر البحري، لكنه يحتاج إلى تدقيق مستقل لتحديد نطاق هذه الممارسات ومدى انتشارها.
أما لجوء بعض الدول المنتجة إلى خطوط الأنابيب البرية لتجاوز المضيق، فيوفر بديلا جزئيا، لكنه لا يلغي أهمية الممر البحري ولا يعوض بالكامل قدرته الاستيعابية.
وبذلك، تتحول السيطرة على أمن الملاحة إلى اختبار لمدى قدرة الولايات المتحدة على حماية أحد الممرات الحيوية للتجارة العالمية، في مواجهة خصم يستطيع التأثير في حركة السفن من دون الحاجة إلى تحقيق تفوق بحري تقليدي.
تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط
لا تنحصر نتائج المواجهة في ميزان القوى بين واشنطن وطهران، بل تمتد إلى صورة الولايات المتحدة لدى حلفائها وخصومها، وإلى قدرة القوى الكبرى على ضمان استقرار الممرات البحرية الدولية.
فإذا استمر اضطراب الملاحة وارتفعت تكاليف الطاقة والنقل، فقد تتزايد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للنفط، فيما تواجه الدول المنتجة تحديات تتعلق بتصدير مواردها والحفاظ على استقرار الأسواق.
كما أن استمرار الأزمة قد يثير تساؤلات لدى حلفاء واشنطن بشأن مدى قدرتها على الجمع بين حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية وتجنب الانخراط في صراعات طويلة الأمد.
وفي المقابل، لا يعني تعثر الولايات المتحدة أن إيران باتت قادرة على فرض إرادتها بصورة مطلقة؛ إذ تواجه طهران بدورها مخاطر اقتصادية وعسكرية، فضلا عن احتمالات اتساع نطاق المواجهة وتعرض بنيتها التحتية لمزيد من الضربات.
لذلك، فإن قياس نتائج الصراع لا يمكن اختزاله في سؤال من حقق مكاسب ميدانية أكبر، بل ينبغي أن يشمل كلفة المواجهة، ومدى تحقق الأهداف المعلنة، وقدرة كل طرف على الحفاظ على مكاسبه بمرور الوقت.
هل دخلت استراتيجية ترامب مرحلة المراجعة؟
تضع الأزمة الأميركية الإيرانية إدارة ترامب أمام اختبار مزدوج: إقناع الداخل الأميركي بأن استخدام القوة يحقق نتائج ملموسة، وإثبات القدرة على حماية المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة من دون التورط في حرب مفتوحة.
وفي المقابل، تحاول طهران توظيف موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في الملاحة البحرية لرفع كلفة استمرار الضغط عليها وتحسين شروطها التفاوضية.
لكن استمرار هذا الوضع يحمل مخاطر على الطرفين؛ فالتصعيد قد يوسع نطاق المواجهة ويزيد الأعباء الاقتصادية والعسكرية، بينما قد يُفسر التراجع غير المصحوب بتفاهمات واضحة على أنه إخفاق في تحقيق الأهداف المعلنة.
وعليه، فإن وصف ما يجري بأنه فشل استراتيجي أميركي يظل تقييما سياسيا يحتاج إلى ربطه بالنتائج النهائية للمواجهة، لا بمجرد تعثر المفاوضات أو استمرار التوتر في مضيق هرمز.
ومع ذلك، تكشف الأزمة عن حدود واضحة لاستخدام القوة وحدها في فرض تسوية سياسية، وعن صعوبة الجمع بين الأهداف العسكرية والحسابات الانتخابية عندما يملك الخصم أوراق ضغط قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
ويبقى المسار المقبل مرهونا بقدرة واشنطن وطهران على الانتقال من تبادل التهديدات إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، تضمن أمن الملاحة وتحد من مخاطر تجدد المواجهة. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة الردع، تحاول إيران تثبيت موقعها التفاوضي، في معادلة لم تحسم بعد اتجاه ميزان القوى أو كلفة استمرار الصراع.






