قاد «الاتحاد العام التونسي للشغل» اليوم الخميس، مسيرة حاشدة وسط العاصمة تونس، في مشهد أعاد النقابة الأبرز في البلاد إلى الواجهة السياسية والاجتماعية.
احتشد الآلاف من العمال وأنصار المنظمة بساحة «محمد علي الحامي» المقابلة للمقر المركزي للاتحاد، قبل الانطلاق في مسيرة صوب شارع «الحبيب بورقيبة»، حيث رُفعت شعارات تندد بـ«تضييق الحريات» وتدعو لعودة المفاوضات الاجتماعية المعطلة.
الطبوبي: «لن يُكمَّم صوت النقابيين»
الأمين العام للاتحاد، نور الدين الطبوبي، ألقى كلمة من شرفة المقر النقابي، أكد فيها أن المنظمة «تواجه هجمات وتشويهاً وحملات شيطنة من أعلى هرم السلطة».
وأضاف: «كل النقابيين اليوم غاضبون، وكل تونسي غيور على استقرار البلد وأمنه الاجتماعي غاضب بلا شك»، مشدداً على أن «الاتحاد لن يقبل بتكميم الأفواه».
تصعيد متبادل بين السلطة والاتحاد
المسيرة جاءت بعد سلسلة من الخطوات التصعيدية بين الحكومة والاتحاد، شملت إلغاء جلسات التفاوض الاجتماعي وتعليق «التفرغ النقابي» لموظفي القطاع العام. كما شهدت العاصمة قبل أيام محاولة أنصار للرئيس قيس سعيد اقتحام مقر الاتحاد، في مؤشر على بلوغ التوتر مستويات غير مسبوقة.
وردت النقابة بدعوة صريحة لمسيرة عمالية واسعة، مع التلويح بخيار الإضراب العام إذا استمرت الحكومة في تعطيل الحوار.
يرى مراقبون أن الاتحاد، الذي لعب أدواراً سياسية محورية منذ الاستقلال، يسعى اليوم إلى إعادة تثبيت حضوره في المشهد، بعد أن عزز الرئيس قيس سعيد صلاحياته بشكل كبير منذ يوليو (تموز) 2021.
ويقول الخبير الجامعي المولدي القسومي إن «توجه الاتحاد إلى الشارع هو دفاع عن المنظمة النقابية ضد سياسة السلطة الإقصائية، وقد يشكل عامل ضغط قد يقود إلى تغييرات ملموسة».
اتهامات متبادلة وتصاعد الاحتقان
الاتحاد كان قد عقد اجتماعاً طارئاً مطلع الأسبوع، رد خلاله الطبوبي على تصريحات الرئيس سعيد قائلاً: «لسنا فاسدين، ومن يملك أدلة فليتجه إلى القضاء».
كما ندد بما اعتبره «سيفاً مسلطاً على النقابيين» من خلال اتهامات متكررة بالفساد. في المقابل، تواصل السلطة التشكيك في دوافع الاتحاد، معتبرة أن تحركاته «تعرقل مسار الإصلاح ومحاربة الفساد».
منذ 2022، طالت حملات توقيف وملاحقات قضائية عدداً من المعارضين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين والقضاة، ما أثار قلق منظمات محلية ودولية بشأن تراجع الحريات.
وترى هذه المنظمات أن مواجهة الاتحاد مع السلطة ليست مجرد معركة نقابية، بل جزء من مشهد أوسع يعكس انسداد الأفق السياسي وتنامي النزعة الأحادية في إدارة الحكم.
تداعيات اقتصادية تربك علاقة تونس بالممولين الدوليين
إلى جانب البُعد السياسي، تُلقي الأزمة بظلالها الثقيلة على الوضع الاقتصادي المتأزم أصلاً. فالمفاوضات الاجتماعية التي يطالب بها الاتحاد ترتبط بشكل مباشر بملف الإصلاحات الاقتصادية التي تشترطها المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.
ويؤكد خبراء أن أي إضراب عام أو تعطيل للإنتاج سيزيد من هشاشة المالية العمومية، ما قد يُفاقم صعوبة الحصول على قروض خارجية أو استثمارات أجنبية. ويرى محللون أن الاتحاد يسعى عبر الضغط الشعبي إلى فرض شراكة حقيقية في صياغة هذه الإصلاحات، بينما تفضّل الحكومة مساراً أحادي الجانب يتماشى مع التزاماتها الخارجية.
تونس أمام اختبار جديد
التحركات النقابية تضع الحكومة والرئيس سعيد أمام اختبار جديد: إما العودة إلى طاولة الحوار مع «اتحاد الشغل» لتفادي شلل اقتصادي واجتماعي محتمل، أو الاستمرار في سياسة المواجهة التي قد تدفع إلى إضراب عام يزيد من حدة الأزمة.
وبين هذين الخيارين، يبقى الشارع التونسي في ترقب لما ستؤول إليه علاقة السلطة بأكبر منظمة نقابية في البلاد.






