في أجواء إقليمية مشحونة بملفات الأمن والهجرة والطاقة، التأم في الجزائر اجتماعٌ ثلاثي ضمّ وزراء خارجية الجزائر ومصر وتونس في إطار آلية دول الجوار الليبي، في محاولة جديدة لإعادة بعث العملية السياسية المتعثّرة. اللقاء، الذي جمع أحمد عطاف وبدر عبد العاطي ومحمد علي النفطي، مثّل أكثر من مجرد مشاورات دبلوماسية؛ فقد كان بمثابة رسالة سياسية جماعية تؤكد أن بلدان الجوار لم تعد تكتفي بدور المراقب، بل تسعى إلى صياغة مقاربة «من المنطقة للمنطقة» لإعادة ليبيا إلى مسار السيادة والاستقرار.
أكد الوزراء الثلاثة في بيانهم الختامي دعمهم الكامل للمسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، مع التشديد على ضرورة أن تكون العملية السياسية «ملكية ليبية» في مضمونها وإدارتها، بعيدًا عن الاصطفافات الدولية التي مزّقت المشهد الليبي خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ انهيار مؤسسات الدولة عام 2011، أصبحت ليبيا ساحة تنافسٍ بين أجندات متناقضة، تتراوح بين مصالح القوى الغربية في النفط والغاز، ورهانات الفاعلين الإقليميين على النفوذ الجغرافي والعسكري. وفي هذا السياق، تأتي المبادرة الثلاثية كمحاولة لاستعادة المركز المغاربي والعربي في إدارة الأزمة، بعدما هيمنت عليه مبادرات أوروبية وأممية لم تُنتج سوى هدَنٍ هشة وتأجيلٍ مستمر للانتخابات.
الملكية الليبية للعملية السياسية… شعار أم مسار؟
البيان الختامي شدّد على مبدأ «ملكية وقيادة الليبيين للعملية السياسية»، وهي عبارةٌ طالما رُددت في بيانات الأمم المتحدة، لكنها هنا تأخذ دلالات أكثر وضوحًا: فالمقصود ليس فقط رفض الإملاءات الخارجية، بل رفض منطق الوصاية المتعددة الذي جعل من ليبيا حقل اختبارٍ للتوازنات الدولية.
الوزراء الثلاثة دعوا جميع الأطراف الليبية إلى تغليب المصلحة الوطنية، وتوحيد المؤسسات السياسية والعسكرية، وتهيئة الأرضية القانونية والأمنية لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في أقرب الآجال.
وفي خلفية هذه الدعوات تقف قناعةٌ تتشاركها الجزائر والقاهرة وتونس بأنّ أي حلٍّ مفروض من الخارج لن يصمد، وأنّ الانقسام الداخلي أصبح أصل الأزمة لا نتيجتها. فالمؤسسات الموازية، والانقسام المالي والعسكري، وفوضى السلاح كلها باتت عوائق بنيوية أمام بناء الدولة.
رفض التدخلات الخارجية… موقف مبدئي أم بداية ضغط فعلي؟
من أبرز نقاط البيان المشترك كان التجديد القاطع لرفض التدخلات الأجنبية، والدعوة إلى انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية.
لكن هذا الموقف، رغم وضوحه، يواجه معضلة التنفيذ: فالقوى الأجنبية — من روسيا إلى تركيا مرورًا بعدة أطراف أوروبية — رسخت وجودًا عسكريًا وأمنيًا لا يمكن تفكيكه ببيانات سياسية فقط.
الجزائر، التي ظلت تدفع في مجلس الأمن باتجاه حلّ ليبي-ليبي خالص، تحاول اليوم تحويل هذا الرفض إلى **رافعة دب






