لم يعد المشهد الأمني في الشرق الأوسط محصورًا في المواجهة مع إيران، بل بات يتقاطع بصورة متزايدة مع أمن البحر الأحمر ومستقبل الصراع في اليمن وحسابات الشراكة الأميركية السعودية. وفي هذا السياق، عقد كبار مسؤولي الأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اجتماعًا مغلقًا في منتجع كامب ديفيد، الجمعة، لبحث التطورات المرتبطة بالحرب مع إيران والصراع بين السعودية والحوثيين في اليمن، وفق تقرير نشرته صحيفة «أكسيوس» استنادًا إلى ثلاثة مسؤولين أميركيين مطلعين على الاجتماع.
وبحسب التقرير، ترأس نائب الرئيس جيه دي فانس الاجتماع، الذي شارك فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين. ولم تعلن الإدارة الأميركية عن الاجتماع مسبقًا، كما لم يصدر عنها إعلان علني يكشف تفاصيل القرارات التي نوقشت خلاله.
وتكتسب هذه المشاورات أهميتها من توقيتها، إذ تأتي في ظل تعثر المسار الدبلوماسي مع طهران، بالتزامن مع استعدادات سعودية لعملية عسكرية محتملة ضد الحوثيين، في تطور قد يضع واشنطن أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة أكثر من بؤرة توتر في المنطقة من دون الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع.
إيران.. بين استئناف العمليات العسكرية وإبقاء باب التفاوض مفتوحًا
يتمثل المحور الأول للاجتماع في تحديد الخطوات الأميركية المقبلة تجاه إيران، في وقت تتعثر فيه المفاوضات بشأن إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية. ووفق تقارير إخبارية منشورة في مطلع أكتوبر، يدرس ترامب احتمال استئناف عمليات عسكرية واسعة إذا لم يتحقق تقدم في المفاوضات، فيما لا تزال طبيعة الخيارات التي نوقشت في كامب ديفيد غير معلنة.
وتكشف هذه المعادلة عن معضلة تواجه صانع القرار الأميركي: كيف يمكن استخدام الضغط العسكري لإجبار طهران على تقديم تنازلات، من دون تحويل هذا الضغط إلى مواجهة طويلة ترفع تكاليف الحرب وتوسّع نطاقها الجغرافي؟
فالخيار العسكري لا يتوقف عند القدرة على تنفيذ ضربات جديدة، بل يرتبط أيضًا بتقدير الرد الإيراني المحتمل، ومدى قدرة القوات الأميركية وحلفائها على حماية قواعدهم ومنشآتهم وممرات الملاحة، فضلًا عن التأثيرات الاقتصادية لأي تصعيد جديد في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
في المقابل، فإن استمرار المفاوضات لا يعني بالضرورة تراجع احتمالات استخدام القوة؛ إذ يمكن أن يتزامن المساران الدبلوماسي والعسكري، بحيث تسعى واشنطن إلى تحسين شروط التفاوض من خلال إبقاء خيارات التصعيد مطروحة.
ومع ذلك، لا تكفي المعلومات المتاحة عن اجتماع كامب ديفيد للقول إن قرارًا نهائيًا باستئناف الحرب قد اتُّخذ. فالتقرير يشير إلى أن الخيارات نوقشت بعمق، وربما حُسمت بعض المسائل، لكنه لا يكشف عن قرار عملياتي محدد أو جدول زمني لتنفيذه.
اليمن.. السعودية تستعد للتحرك والبحر الأحمر في قلب الحسابات
على الجبهة اليمنية، تتجاوز المسألة حدود المواجهة بين الحكومة اليمنية والحوثيين، لتتصل بأمن واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. فقد أفادت «رويترز» في 2 أكتوبر بأن السعودية تستعد لهجوم تقوده قوات يمنية لاستعادة مناطق ساحلية استراتيجية، بما فيها مناطق مرتبطة بمضيق باب المندب، الذي يشكل نقطة عبور رئيسية لحركة التجارة بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وتكمن أهمية التطور في أن السيطرة على الساحل الغربي لليمن لا تتعلق بالأرض وحدها، بل تمنح الأطراف المتحاربة نفوذًا على البيئة الأمنية المحيطة بخطوط الملاحة. وأي تغيير في موازين السيطرة قرب باب المندب قد يؤثر في حسابات شركات الشحن والتأمين البحري، كما قد يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر في البحر الأحمر.
لكن استعادة المناطق الساحلية لا تعني بالضرورة إنهاء التهديدات البحرية. فذلك يتوقف على قدرة القوات المشاركة على تثبيت السيطرة، وعلى طبيعة رد الحوثيين، ومدى اتساع نطاق العمليات إلى مناطق أخرى داخل اليمن.
لماذا تحتاج السعودية إلى حساب الموقف الأميركي؟
وفق تقرير «أكسيوس»، تسعى الرياض إلى الحصول على دعم أميركي جوي مباشر في إطار التحركات المرتقبة ضد الحوثيين، غير أن واشنطن لم توافق، بحسب التقرير، على المشاركة المباشرة في الهجوم حتى الآن، مع استمرار تقديم دعم غير قتالي يشمل المعلومات الاستخباراتية وبيانات الاستهداف. وأشار التقرير إلى أن الموقف الأميركي قد يتغير إذا واجهت العملية صعوبات كبيرة.
وهنا تظهر إحدى نقاط التباين المحتملة بين الحليفين: فالسعودية تنظر إلى التهديد الحوثي من زاوية أمن حدودها ومنشآتها الحيوية والممرات البحرية المجاورة، بينما يتعين على واشنطن أن توازن بين دعم الرياض وتكاليف الانخراط المباشر في جبهة جديدة، في وقت لا تزال فيه المواجهة مع إيران محورًا أساسيًا لقراراتها العسكرية.
ومن هذا المنظور، لا يعني الدعم الاستخباراتي بالضرورة أن الولايات المتحدة مستعدة لتوفير غطاء جوي كامل للعملية. كما أن رفض المشاركة المباشرة في الوقت الراهن لا يعني التخلي عن السعودية، بل قد يعكس محاولة للفصل بين المساندة العسكرية غير المباشرة وتحمل مسؤولية القتال بصورة مباشرة.
فانس وروبيو وهيغسيث.. ماذا يكشف حضور كبار المسؤولين؟
يكتسب الاجتماع دلالة إضافية من مستوى المشاركين فيه. فوجود مسؤولين عن الدبلوماسية والدفاع والاستخبارات والقيادة العسكرية في جلسة واحدة يشير إلى أن الملفات المطروحة تتطلب تنسيقًا بين أدوات السياسة الخارجية والضغط الاقتصادي والتخطيط العسكري وجمع المعلومات الاستخباراتية.
وترؤس جيه دي فانس للاجتماع لا يكفي، في حد ذاته، للاستنتاج بأنه صاحب القرار النهائي في المسائل العسكرية. لكنه يضع نائب الرئيس في موقع التنسيق السياسي بين مؤسسات الإدارة، فيما يظل تحديد القرارات التي اتُّخذت فعليًا أمرًا غير محسوم في غياب بيان رسمي أو تفاصيل إضافية من المشاركين.
أما حضور روبيو وهيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة، فيعكس طبيعة الأسئلة التي تواجه الإدارة: ما الأهداف السياسية التي تريد واشنطن تحقيقها؟ وما الأدوات العسكرية المتاحة؟ وما حدود التصعيد الذي يمكن احتواؤه إذا ردت إيران أو توسعت المواجهة في اليمن؟
ولا توجد، حتى الآن، معلومات علنية كافية لتحديد ما إذا كان الاجتماع قد انتهى إلى خطة موحدة، أم أنه كان جلسة لتقييم السيناريوهات والاتفاق على خطوات لاحقة.
هل يتجه الشرق الأوسط إلى جبهتين متزامنتين؟
تتمثل المسألة الاستراتيجية الأهم في احتمال تداخل المسارين الإيراني واليمني. فالتصعيد مع إيران قد يزيد الضغوط على القوات الأميركية وحلفائها في المنطقة، بينما قد يؤدي توسيع العمليات ضد الحوثيين إلى فتح جبهة إضافية تتطلب موارد عسكرية واستخباراتية ودبلوماسية.
ومن شأن تزامن العمليتين أن يثير ثلاثة تحديات رئيسية:
-
عسكريًا: توزيع القدرات الدفاعية والهجومية بين مسارح عمليات متعددة، مع الحاجة إلى حماية القواعد والمنشآت والملاحة البحرية.
-
دبلوماسيًا: تجنب انهيار فرص التفاوض مع إيران، مع الحفاظ على التنسيق مع السعودية والشركاء الإقليميين.
-
اقتصاديًا: الحد من اضطرابات التجارة والطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري إذا اتسعت المواجهات.
ولا يعني اجتماع هذه التحديات أن التصعيد الواسع أصبح حتميًا؛ فقد تستخدم واشنطن التحركات العسكرية المحتملة وسيلة ضغط تفاوضية، أو تسعى إلى دعم أهداف محددة في اليمن من دون المشاركة المباشرة في القتال. وتظل هذه احتمالات تحليلية، لا قرارات مؤكدة.
ماذا ينبغي مراقبته في الأيام المقبلة؟
ستتوقف قراءة نتائج اجتماع كامب ديفيد على تطورات ملموسة، لا على سرية الاجتماع وحدها. وتبرز أربعة مؤشرات تستحق المتابعة:
-
المسار الإيراني: أي إعلان عن استئناف المفاوضات أو تعثرها، وأي توضيح رسمي بشأن الخيارات العسكرية الأميركية.
-
التحركات السعودية: ما إذا كانت الاستعدادات العسكرية ستتحول إلى عملية فعلية، وما الأهداف الجغرافية المعلنة لها.
-
الموقف الأميركي: هل سيستمر الدعم الاستخباراتي واللوجستي دون مشاركة قتالية مباشرة، أم ستتغير حدود التدخل؟
-
أمن البحر الأحمر: أي تغير في حركة السفن أو التحذيرات الملاحية أو تكاليف التأمين، باعتبارها مؤشرات على انعكاس التطورات العسكرية على التجارة.
اجتماع بلا إعلان رسمي وقرارات لم تتضح بعد
لا تكمن أهمية اجتماع كامب ديفيد في أنه يثبت اتخاذ قرار بالحرب، بل في أنه يكشف، وفق المصادر التي نقلت تفاصيله، عن مستوى التنسيق الذي تتطلبه التطورات المتزامنة في إيران واليمن.
فواشنطن تواجه معادلة معقدة: التعامل مع تعثر المفاوضات مع طهران، ومراعاة المطالب الأمنية السعودية، وحماية الملاحة في البحر الأحمر، من دون أن يؤدي أي تحرك إلى توسيع المواجهة بما يتجاوز أهدافه الأصلية.
وفي ظل غياب إعلان رسمي عن نتائج الاجتماع، تبقى الأسئلة الأساسية مفتوحة: هل تسعى الإدارة الأميركية إلى استخدام التهديد العسكري لدفع المفاوضات إلى الأمام، أم أنها تهيئ خيارات أكثر اتساعًا؟ وهل ستشن السعودية عملية محدودة لاستعادة مناطق ساحلية، أم ستتطور المواجهة إلى حملة أطول؟






