شهدت فرنسا، السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول، تعبئة احتجاجية واسعة تخللتها حوادث عنف في عدد من المدن الكبرى، في مشهد يعكس حجم التوترات الاجتماعية المتراكمة، ويعيد إلى الواجهة أسئلة العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وقدرة المؤسسات العامة على الاستجابة لمطالب المواطنين.
وبينما تراوحت تقديرات المشاركة في المظاهرات بين 500 ألف و800 ألف شخص، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، لم تقتصر الرسائل التي حملتها الاحتجاجات على الاعتراض على السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بل امتدت إلى الشعور بتراجع فرص الحراك الاجتماعي، واتساع الفجوة بين الجهد الفردي والقدرة الفعلية على تحسين ظروف المعيشة.
وفي شهادات نقلتها صحيفة « le temps» السويسرية، برزت مشاعر الإحباط لدى متظاهرين يرون أن المسارات التقليدية للتعبير عن مطالبهم لم تعد كافية لإحداث تغيير ملموس، فيما أعادت مشاركة وجوه من حركة «السترات الصفراء» إلى الأذهان موجة الاحتجاجات التي هزت البلاد عام 2018.
من الاحتجاج إلى المواجهة.. ماذا وراء تصاعد الغضب؟
في باريس، بدأت حوادث تخريب وحرائق نفايات وسيارات، إلى جانب اشتباكات مع الشرطة، حتى قبل انطلاق المسيرة المقررة في بداية فترة ما بعد الظهر، وفقا للشهادة التي أوردها التقرير.
ويقدم فريدريك، البالغ من العمر 51 عاما والعامل مستشارا مستقلا في مجال تكنولوجيا المعلومات، قراءة تعكس حجم الإحباط الذي يشعر به بعض المشاركين، إذ يرى أن غياب الاستجابة لمطالب المواطنين، بالتزامن مع صعوبة تغطية النفقات المعيشية، يدفع قطاعات منهم إلى الاعتقاد بأن الاحتجاجات لن تحقق أهدافها من دون تصعيد.
وقال فريدريك، الذي سبق أن شارك في احتجاجات «السترات الصفراء» عام 2018، إنه يأمل في نجاح الحركة الحالية، معتبرا أن ما يجري لا يمكن فصله عن شعور متراكم بعدم الاستماع إلى المواطنين.
لكن هذه الشهادة، على أهميتها في فهم دوافع بعض المحتجين، لا تعني أن جميع المشاركين يتبنون العنف أو يرونه وسيلة ضرورية للتغيير. فالتعبئة الشعبية قد تضم تيارات مختلفة، تتباين في مطالبها وأساليبها، حتى عندما تلتقي حول الشعور بالتهميش أو رفض السياسات القائمة.
«ليست الجدارة هي التي تؤتي ثمارها».. أزمة الثقة في تكافؤ الفرص
تتجاوز دلالات الاحتجاجات، وفق الشهادات الواردة في التقرير، مسألة القدرة على تغطية النفقات اليومية، لتلامس سؤالا أعمق يتعلق بمدى قدرة الأفراد على تحسين أوضاعهم الاجتماعية من خلال العمل والتعليم والاجتهاد.
وتلخص ابنة فريدريك، البالغة من العمر 23 عاما والعاملة في المجال الاجتماعي بضواحي باريس، هذا الشعور بقولها إن الجدارة ليست بالضرورة ما يحدد النجاح في فرنسا، مشيرة إلى أنها ترى عائلات تمتلك مقومات الاستحقاق والاجتهاد، لكنها تجد نفسها عاجزة عن توفير مستقبل واضح لأبنائها.
وتكشف هذه الشهادة عن فجوة محتملة بين الوعد الاجتماعي القائم على تكافؤ الفرص والواقع الذي يعيشه بعض الشباب والأسر، خصوصا في المناطق التي تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية.
فعندما يشعر الشباب بأن التعليم والعمل لم يعودا كافيين لضمان الاستقرار أو تحسين ظروف المعيشة، تتراجع الثقة في قدرة المؤسسات على توفير مسارات عادلة للصعود الاجتماعي. وقد يتحول هذا الشعور إلى مصدر إضافي للاحتقان، خصوصا إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف الحياة أو ضعف الخدمات العامة.
ومع ذلك، فإن تعميم هذا الانطباع على المجتمع الفرنسي بأكمله يتطلب بيانات أوسع بشأن الدخل والتعليم والتوظيف والحراك الاجتماعي، ولا يمكن استخلاصه من شهادات المتظاهرين وحدها.
التعليم في قلب الأزمة.. مطالب بموارد أكبر لمستقبل الشباب
احتل التعليم موقعا بارزا في شهادة الشابة الفرنسية، التي دعت إلى تخصيص مزيد من الموارد للتعليم الوطني، معتبرة أن ضمان مستقبل الشباب يتطلب تمكين المؤسسات التعليمية من أداء دورها بصورة أفضل.
وتعكس هذه المطالبة قلقا من أن تؤدي الفوارق الاجتماعية والاقتصادية إلى تفاوت فرص النجاح بين الأطفال والشباب، بحيث تصبح الظروف الأسرية ومكان الإقامة والموارد المتاحة عوامل مؤثرة في المسارات التعليمية والمهنية.
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالأسر التي تواجه صعوبات في توفير احتياجاتها الأساسية، إذ قد تتداخل الضغوط المعيشية مع فرص الأبناء في مواصلة الدراسة والاستفادة من الخدمات التعليمية والاجتماعية.
ومن هذا المنظور، لا تبدو المطالبة بزيادة الموارد التعليمية منفصلة عن الاحتجاجات الاجتماعية، بل ترتبط بسؤال توزيع الفرص داخل المجتمع، ومدى قدرة السياسات العامة على الحد من انتقال الحرمان الاقتصادي من جيل إلى آخر.
جيل جديد وذاكرة «السترات الصفراء»
تكتسب مشاركة فريدريك وابنته دلالة إضافية، إذ تجمع بين جيل شهد احتجاجات «السترات الصفراء» عام 2018 وجيل شاب يواجه اليوم مخاوف تتعلق بمستقبله الاجتماعي والمهني.
ويقول فريدريك إن ابنته، التي كانت مراهقة خلال احتجاجات 2018، تأثرت آنذاك بما وصفه بعنف الشرطة. أما اليوم، فقد أصبحت عاملة اجتماعية، وتعبّر عن غضبها من واقع الأسر التي ترى أنها لا تحصل على الفرص التي تستحقها.
وتشير هذه التجربة العائلية إلى أن بعض أسباب الاحتقان الاجتماعي قد تستمر لسنوات، حتى مع تغير الشعارات والظروف المباشرة للاحتجاجات. فالقضايا المرتبطة بالعدالة وتكافؤ الفرص والثقة في المؤسسات لا تُحسم بالضرورة بانتهاء موجة احتجاجية، بل تتطلب استجابات مستدامة ونتائج ملموسة.
لكن الربط بين موجتي الاحتجاج لا يعني بالضرورة أنهما متطابقتان في المطالب أو التكوين الاجتماعي أو السياق السياسي؛ إذ يتطلب ذلك مقارنة أوسع بين دوافع المشاركين والبرامج المطروحة ومسار التعبئة في كل مرحلة.
اختبار أمام المؤسسات الفرنسية
تضع الاحتجاجات المؤسسات الفرنسية أمام تحدٍ مزدوج: التعامل مع المطالب الاجتماعية التي يعبر عنها المتظاهرون، والحفاظ على النظام العام ومنع تحول التجمعات إلى مواجهات عنيفة.
فمن جهة، تبرز الحاجة إلى فهم الأسباب التي تدفع قطاعات من المواطنين إلى الشعور بأن العمل والتعليم لم يعودا يضمنان لهم مستقبلا مستقرا. ومن جهة أخرى، تظل أعمال التخريب والاعتداءات المحتملة عاملا يزيد تعقيد المشهد، وقد يؤثر في قدرة الحركات الاحتجاجية على إيصال مطالبها إلى الرأي العام وصناع القرار.
وتكشف الشهادات الواردة في التقرير عن شعور لدى بعض المشاركين بأن القنوات المعتادة للتعبير عن المظالم لم تعد تحقق النتائج المرجوة. غير أن مدى انتشار هذا الشعور، والكيفية التي يمكن أن ينعكس بها على السياسات العامة، يظلان مرتبطين بعوامل لا تحسمها مشاهد الاحتجاج وحدها.
ما الذي تقوله احتجاجات فرنسا؟
تضع هذه التعبئة مسألة العدالة الاجتماعية في صلب النقاش العام، من خلال مطالب تتعلق بالمعيشة والتعليم ومستقبل الشباب، إلى جانب مظاهر الغضب من المؤسسات والشعور بضعف الاستجابة للمطالب الشعبية.
ولا يكمن التحدي في احتواء الاحتجاجات الآنية فحسب، بل في معالجة الأسباب التي قد تغذي تكرارها، وفي مقدمتها الإحساس بعدم تكافؤ الفرص وصعوبة تحسين الظروف المعيشية لدى بعض الفئات.
وبين غضب الشارع وقدرة المؤسسات على الاستجابة، يبقى السؤال المركزي: هل تستطيع فرنسا تجديد الثقة في وعد الجدارة وتكافؤ الفرص، أم أن اتساع الشعور بانسداد الأفق سيواصل تغذية موجات جديدة من الاحتجاج؟






