أظهر الاستطلاع الذي أجراه معهد “آغام” ونشره موقع “واللا” الإسرائيلي مؤشرات عميقة على تآكل ثقة المجتمع الإسرائيلي في إدارة الحرب على غزة، وتراجع الروح القتالية سواء في أوساط الجنود النظاميين أو قوات الاحتياط. النتائج التي كشفها الاستطلاع تحمل أبعادًا سياسية وعسكرية واجتماعية تعكس تحولات حقيقية في المزاج الإسرائيلي، وهو ما قد يفرض ضغوطًا مباشرة على حكومة الاحتلال بشأن استمرار العدوان أو الدخول في تسوية.
فشل الأهداف المعلنة
الاستطلاع أشار بوضوح إلى أن نحو ثلاثة أرباع الإسرائيليين (73.79%) يفضلون إنهاء الحرب من خلال صفقة تبادل، وهي نسبة تكشف عن ميل غالبية المجتمع الإسرائيلي إلى إنهاء النزيف البشري والعسكري، حتى لو كان الثمن إطلاق سراح أسرى فلسطينيين. هذه النسبة المرتفعة تعبّر عن إدراك متزايد لفشل الأهداف المعلنة للعملية العسكرية، وعن تراجع الإيمان بجدوى استمرار الحرب في ظل تكلفتها الباهظة.
الأكثر لفتًا للنظر أن ثلثي الإسرائيليين يعتقدون أن إدارة الحرب تتم وفق حسابات سياسية، بينما يشاركهم 64% من الجنود هذا الرأي. هذا يعني أن الشرعية الداخلية للحرب باتت موضع شك، وأنها لم تعد تُدار وفق معايير أمنية أو عسكرية بحتة، بل تحولت إلى أداة بيد القيادة السياسية لتأمين بقائها في الحكم أو لاعتبارات حزبية. هذا الاتهام من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه يضرب الأساس الأخلاقي والسياسي للحرب، ويعمّق الهوة بين الحكومة والرأي العام.
تمرد داخلي
تراجع الدافعية لدى 40% من الجنود، إلى جانب دعم 73% من الجنود النظاميين والاحتياط لإنهاء الحرب، يعكس أزمة عميقة في بنية الجيش الإسرائيلي، الذي لطالما قُدّم بوصفه أداة الإجماع القومي وركيزة الأمن. هذه المؤشرات تنذر بتآكل قدرة الجيش على مواصلة حرب طويلة، وتزيد من احتمالات التمرد الداخلي على السياسات الرسمية، خاصة مع تصاعد الخسائر البشرية والعجز عن تحقيق نصر حاسم.
حتى داخل القاعدة الانتخابية لحزب الليكود الحاكم، أظهر الاستطلاع أن 54% من ناخبيه يؤيدون إنهاء الحرب في إطار صفقة تبادل، وهو ما يفضح ضعف الغطاء الشعبي الذي يستند إليه بنيامين نتنياهو في مواصلة العدوان. مثل هذه الأرقام تضعف موقفه أمام شركائه في الائتلاف وتفتح الباب لمعارضة أوسع من داخل تياره السياسي.
حصيلة كارثية للحرب
في المقابل، يعيش قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، حيث تتقاطع المجاعة القاسية مع حرب إبادة ممنهجة تشنها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول الغذاء والدواء منذ مارس الماضي أدى إلى تفشي المجاعة وظهور أعراض سوء التغذية الحاد على الأطفال والمرضى، فيما تتجاهل إسرائيل بدعم أمريكي كل النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف العدوان.
الحصيلة الإنسانية الكارثية التي خلفتها الحرب ـ أكثر من 210 آلاف شهيد وجريح، وآلاف المفقودين، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة تحصد الأرواح ـ تضع الاحتلال أمام اتهام دولي متصاعد بارتكاب إبادة جماعية، وتزيد من عزلة إسرائيل سياسيًا وأخلاقيًا.
إحراج إسرائيل
تتلاقى هذه المعطيات لتشكّل مشهدًا معقدًا: في الداخل الإسرائيلي تتآكل شرعية الحرب وتتصاعد الدعوات لإنهائها عبر صفقة تبادل، وفي غزة يترسخ واقع الإبادة والمجاعة الذي يضغط على المجتمع الدولي ويحرج إسرائيل أمام الرأي العام العالمي. وبين المأزق الداخلي والجرائم الميدانية، تبدو إسرائيل عالقة بين خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في حرب استنزاف تفقد شرعيتها تدريجيًا، أو الرضوخ لصفقة تنهي المعركة بشروط أقل مما كان مأمولًا عند بدايتها.






