في تحقيق وصف بأنه من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل، سلطت صحيفة نيويورك تايمز، الضوء على اتهامات تتعلق بممارسات عنف جنسي وانتهاكات جسيمة بحق أسرى فلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، مستندة إلى شهادات ميدانية وتقارير حقوقية دولية.
التحقيق، الذي حمل عنوان “الصمت الذي يواجه اغتصاب الفلسطينيين”، أعاد فتح ملف طالما أحاطته حالة من التعتيم، متناولًا شهادات لأسرى ومعتقلين سابقين تحدثوا عن انتهاكات قالوا إنها جرت داخل مراكز الاحتجاز والسجون، وسط مطالبات حقوقية بفتح تحقيقات دولية مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن تلك الممارسات.
العنف الجنسي سياسة إسرائيل لقهر المعتقلين
وبدأ التحقيق بالتأكيد على حقيقة أخلاقية مفادها ضرورة التوحد في إدانة الاغتصاب مهما كانت الآراء السياسية، مشيرًا إلى أن قادة “إسرائيل” والعالم، بمن فيهم نتنياهو وترامب وبايدن، رفعوا أصواتهم بقوة لإدانة الاعتداءات الجنسية التي تعرضت لها “إسرائيليات” في السابع من أكتوبر، لكنهم في المقابل يواجهون نمطاً واسع الانتشار من العنف الجنسي الذي ترتكبه الأجهزة الأمنية “الإسرائيلية” بحق الفلسطينيين بصمت مطبق.
ونقل كريستوف عن تقارير للأمم المتحدة والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أن العنف الجنسي في “إسرائيل” لم يعد مجرد حوادث معزولة، بل تحول إلى إجراءات تشغيل معتادة وعنصر رئيسي في إساءة معاملة الفلسطينيين.
وخلصت التقارير إلى أن “إسرائيل” تمارس عنفًا جنسيًا ممنهجًا يُستخدم كجزء من سياسة دولة منظمة لإذلال المعتقلين وانتزاع المعلومات أو إجبارهم على العمالة.
شهادات توثق تعرض الأسرى للاغتصاب
ووثق التحقيق شهادة الصحفي الفلسطيني سامي الساعي (46 عاماً)، الذي تعرض للاعتقاد الإداري عام 2024. روى الساعي تفاصيل مروعة عن قيام مجموعة من الحراس بطرحه أرضاً وتجريده من ملابسه بالكامل، ثم محاولة اغتصابه بهراوة مطاطية وسط ضحكاتهم.
وكشف الساعي عن استخدام الحراس لـ “جزرة” في الاعتداء عليه في مشهد سادي، بينما كانت إحدى الحارسات تتحرش بأعضائه التناسلية وتسخر من صرخاته. وأكد الساعي أن المحققين عرضوا عليه العمل مخبرًا مقابل وقف هذه الانتهاكات، لكنه رفض. حسب وكالة صفا.
وفي شهادة أخرى لمزارع فلسطيني (فضل عدم ذكر اسمه خشية الملاحقة)، كشف عن تعرضه للاغتصاب بهراوة معدنية ثلاث مرات في يوم واحد على يد ستة حراس.
وعندما طلب ورقة وقلم لتقديم شكوى، عاد الحراس واغتصبوه مجدداً سخريةً منه، قائلين له: “الآن أصبح لديك المزيد لتكتبه في شكواك”.
اغتصاب وتهديد مقابل التجسس
وأشار التحقيق إلى معطيات صادمة لمنظمة “أنقذوا الأطفال”، حيث أفاد أكثر من نصف الأطفال (12-17 عاماً) الذين احتجزتهم “إسرائيل” بأنهم شهدوا أو تعرضوا لعنف جنسي.
كما وثق المرصد الأورومتوسطي شهادة لامرأة (42 عامًا) قُيدت عارية وتم اغتصابها من قبل جنود قاموا بتصوير العملية وتهديدها بنشر الصور إذا لم تتعاون مع الاستخبارات.
كما تحدث الكاتب إلى شابة فلسطينية (23 عامًا) اعتُقلت بعد أكتوبر، وصفت كيف كان الحراس الرجال يدخلون زنزانتها أثناء تفتيشها عاريًا، وكيف تعرضت للتحرش الجماعي والضرب ووضع رأسها في المرحاض بشكل متكرر عند بداية كل نوبة عمل للحراس.
وانتقد التحقيق بشدة حالة الإفلات من العقاب في “إسرائيل”، مشيرًا إلى قضية أسير غزة الذي أصيب بتمزق في المستقيم وثقب في الرئة نتيجة اغتصابه في سجن “سدي تيمان”.
ورغم توثيق الاعتداء بكاميرات السجن، إلا أن اليمين الإسرائيلي تظاهر دعماً للجنود المعتدين، ووصف نتنياهو الملاحقة القضائية لهم بأنها فرية دموية وفي نهاية المطاف أُسقطت التهم عنهم وأُعيدوا للخدمة، وهو ما وصفته المحامية الحقوقية “ساري باشي” بأنه إعطاء إذن رسمي بالاغتصاب.
نزع الإنسانية من الفلسطينيين
وخلص الكاتب نيكولاس كريستوف إلى أن الولايات المتحدة شريكة في هذا العنف لأن أموال دافعي الضرائب تدعم المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
وأوضح أن ما يحدث هو نتيجة نزع الإنسانية عن الفلسطينيين، حيث يصفهم وزراء مثل إيتمار بن غفير بالحثالة، مما يدفع الجنود للوصول إلى مرحلة من الوحشية البدائية واستخدام العنف الجنسي للمتعة أو الانتقام.
ودعا التحقيق الإدارة الأمريكية لاتخاذ موقف أخلاقي واضح، مشيرًا إلى أن الصمت على هذه الجرائم يشجع على استمرارها، وأن العنف الجنسي يجب أن يظل غير مقبول بغض النظر عن هوية الضحية أو الجاني.




