انتشرت خلال الساعات الأخيرة شائعة واسعة حول “اغتيال محمد حمدان دقلو (حميدتي)” بعد استهدافه بطائرة مسيّرة تركية الصنع من طراز “بيرقدار”، وهي رواية بدأت من حسابات غير موثوقة على منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تتصدر قوائم التفاعل على تويتر وتيك توك. ورغم الزخم الذي أحاط بالقصة، فإن الشائعة خلت من أي تفاصيل جوهرية تُظهر مكان الهجوم المزعوم أو توقيته أو الجهة التي تقف خلفه، في مشهد اعتادته الساحة السودانية في سياق حرب معلومات متصاعدة.
وتحوّلت الوسوم المرتبطة بالقضية مثل “السودان المنسي” و”اغتيال حميدتي” إلى منصات لإعادة تدوير نفس الادعاءات، في حين عمد عدد من الحسابات غير الموثقة إلى نسب النبأ إلى قناة RTE الإيرلندية، رغم أن القناة لم تنشر أي مادة تتعلق بالموضوع، ولم تصدر عنها بيانات تنفي أو تؤكد الحادثة، ما أوحى بأن الشائعة اعتمدت على أساليب التضليل التي تقوم على إسناد أخبار حساسة لجهات إعلامية غربية بهدف منحها مصداقية شكلية.
ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، كما لم تذكر وكالات الأنباء الدولية المعتبرة أي تقارير تدعم صحة الادعاء، الأمر الذي يعزّز لدى متابعين الانطباع بأن ما جرى ليس أكثر من محاولة لإحداث صدمة إعلامية واختبار ردود الفعل. ويرى مراقبون للشأن السوداني أن نشر هذا النوع من الأخبار يدخل في إطار حرب نفسية تستهدف التأثير على حسابات الأطراف المتحاربة على الأرض، في وقت تتداخل فيه العمليات العسكرية مع السرديات الرقمية التي أصبحت جزءًا من أدوات الصراع.
التحليلات المحتملة والجهات المستفيدة
وتشير تحليلات متداولة إلى أن ترويج خبر من هذا الحجم قد يخدم أطرافًا داخلية ترغب في إرباك قوات الدعم السريع أو ضرب معنوياتها، خاصة في ظل التطورات الميدانية الأخيرة التي منحتها هامش تحرك أكبر في بعض مناطق كردفان ودارفور. كما توجد قراءات تربط انتشار الشائعة بمحاولات تقوم بها جماعات الإسلام السياسي، التي ترى في الفوضى مساحةً لإعادة ترتيب مواقعها في المشهد المضطرب، خصوصًا مع تعثر المسارات السياسية وعدم حسم هوية السلطة المقبلة.
ولا تُستبعد، من وجهة نظر محللين آخرين، احتمالية وقوف جهات إقليمية أو دولية خلف الشائعة بهدف قياس رد الفعل السوداني أو الضغط على الأطراف المتحاربة، إذ لطالما شكّلت الحرب السودانية ساحة تنافس لأجهزة استخبارات متعددة تسعى لالتقاط إشارات حول مستقبل النفوذ في البلاد. ومن المعتاد، في مثل هذه النزاعات، استخدام أخبار “الاغتيال” كأداة لتعطيل المفاوضات أو إعادة خلط المشهد، خصوصًا عندما تأتي في توقيت حساس.
وبين هذه السيناريوهات جميعًا، تبقى إمكانية أن تكون القصة مجرد إنتاج رقمي اعتيادي من حسابات مزيفة أو صفحات تنشر أخبارًا عاجلة بلا مصادر، ثم يجري تضخيمها على نطاق واسع بفعل إعادة النشر العشوائي. وهذا ما يجعل التثبت من أصل الشائعة أمرًا عسيرًا، ويمنحها في الوقت نفسه قدرةً أكبر على الانتشار بسبب فراغ المعلومات الرسمي.
وحتى اللحظة، لا توجد مؤشرات على أن حميدتي قد تعرض لعملية اغتيال، كما لا توجد مصادر مستقلة أو رسمية تدعم الرواية المتداولة. وما لم يصدر بيان واضح من أي من طرفي الصراع، ستظل الشائعة جزءًا من مسار الحرب الإعلامية التي تسير بالتوازي مع العمليات العسكرية، وتكشف مرة أخرى كيف أصبحت المعلومات — أو ما يشبهها — سلاحًا لا يقل خطورة عن الطائرات المسيّرة التي يجري الحديث عنها.
وضع معقد والعالم يراقب عن كثب
ويتزامن هذا الاهتمام الشعبي بالشائعة مع تزايد القلق الدولي من تفاقم الوضع الإنساني في السودان. فقد وصف مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون أفريقيا، مسعد بولس، الحرب بأنها “أكبر أزمة إنسانية في العالم”، مؤكداً في مقابلة لوكالة الصحافة الفرنسية في الدوحة أن حجم الفظائع التي سُجّلت مؤخراً في الفاشر وحدها “غير مقبول على الإطلاق”. وقال بولس إن المجتمع الدولي شاهد تقارير وصوراً صادمة خلال الأسابيع الأخيرة، محذراً من أن استمرار الانتهاكات يهدد بحلول كارثة أوسع ما لم يتم التوصل إلى هدنة عاجلة.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، قُتل عشرات الآلاف ونزح نحو 12 مليون شخص، في أكبر موجة نزوح تشهدها أفريقيا الحديثة. وفي نهاية أكتوبر الماضي، تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة الفاشر بعد حصار دام 18 شهراً، وسط تقارير متزايدة عن عمليات قتل جماعي وعنف جنسي وانتهاكات وصفتها منظمات دولية بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب. وفي ظل هذه الحقائق الثقيلة، تبدو واشنطن أكثر إصراراً على دفع طرفي الصراع نحو وقف إطلاق النار، على الرغم من تعثر كل جولات الوساطة السابقة.
ومع تزايد هذا الضغط الدولي، يجد السودان نفسه أمام واقع معقّد يتداخل فيه الميداني بالرقمي، حيث يمكن لشائعة واحدة—مثل أنباء اغتيال حميدتي—أن تغيّر مزاج الشارع، وتؤثر في معنويات المقاتلين، وتعيد تشكيل حسابات الأطراف المتحاربة. ويرى محللون أن بث مثل هذه الرواية قد يخدم مجموعات داخلية ترغب في إرباك الدعم السريع، أو جماعات إسلامية تسعى لاستثمار الفوضى لفرض نفسها في المشهد، أو حتى أطرافاً إقليمية واستخبارية تحاول قياس ردود الفعل أو إرسال رسائل غير مباشرة.






