من الموانئ والممرات البحرية إلى المناجم والطاقة والبنية الرقمية، توسّع أبوظبي حضورها في القارة الأفريقية عبر استثمارات ضخمة تتجاوز أهدافها التجارية المباشرة. وبين متطلبات التنمية ومصالح الدول المضيفة، تبرز تساؤلات بشأن حدود هذا التوسع، ومدى ارتباطه بأجندة استراتيجية تسعى إلى الجمع بين النفوذ الاقتصادي والحضور الأمني والسياسي.
لا يقتصر التوسع الإماراتي في أفريقيا على ضخ رؤوس الأموال أو الاستحواذ على أصول إنتاجية، بل يمتد إلى مواقع ذات أهمية جغرافية بالغة، تشمل البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وصولًا إلى المحيط الأطلسي. وفي هذه المناطق، تتقاطع الاستثمارات في الموانئ والممرات التجارية مع أنشطة التعدين والطاقة والزراعة والخدمات اللوجستية، ضمن شبكة من المصالح تمنح أبوظبي حضورًا متزايدًا في مسارات التجارة الدولية وسلاسل توريد الموارد الطبيعية.
ولا تكفي هذه المعطيات وحدها للجزم بوجود مشروع موحد للهيمنة، أو اعتبار كل استثمار إماراتي امتدادًا لنشاط أمني أو سياسي. لكنها تطرح تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كان هذا التوسع يتجاوز منطق الربحية التجارية نحو بناء نفوذ طويل الأمد، يمنح الإمارات قدرة أكبر على التأثير في القرارات الاقتصادية والاستراتيجية للدول التي تستضيف مشروعاتها.
150 مليار دولار.. أرقام كبيرة وأسئلة معلّقة
في 20 سبتمبر/أيلول 2026، أعلن أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أن استثمارات بلاده في أفريقيا تقترب من 150 مليار دولار، فيما تجاوز حجم التجارة السنوية بين الجانبين 107 مليارات دولار. وربط قرقاش هذا التوسع بتعزيز العلاقات المباشرة مع القارة، بعيدًا عن الاعتماد على البوابات الغربية التقليدية.
غير أن الرقم المعلن يثير أسئلة تتعلق بمنهجيته وحدوده المحاسبية؛ إذ لم توضح أبوظبي الفترة الزمنية التي يغطيها، ولا ما إذا كان يشمل الاستثمارات المنفذة فعليًا، أو الالتزامات المستقبلية، أو المشروعات المشتركة والمعلنة التي لم تدخل مرحلة التشغيل.
وتزداد أهمية هذا التفصيل عند مقارنته بإعلان إماراتي صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تحدث عن استثمارات تجاوزت 118 مليار دولار في أفريقيا خلال الفترة بين عامي 2020 و2024. ولا تعني الزيادة المعلنة بالضرورة ضخ استثمارات جديدة بالقيمة نفسها، ما لم تتوافر بيانات تفصيلية تسمح بالفصل بين التدفقات المالية الفعلية، وقيمة الأصول، والالتزامات الاستثمارية.
ومع ذلك، فإن حجم الحضور الإماراتي وتنوع قطاعاته يشيران إلى سياسة توسع تتجاوز الصفقات المنفردة، وتعتمد على بناء مواقع اقتصادية مستدامة في مناطق تتمتع بأهمية تجارية وجيوسياسية متزايدة.
منظومة شركات تتكامل فيها المصالح الاقتصادية
تقود هذا التوسع مجموعة من الشركات والمؤسسات الإماراتية التي تتوزع أدوارها على قطاعات مترابطة.
تتولى «موانئ دبي العالمية» تطوير الموانئ وتشغيلها وإدارة الممرات التجارية، فيما تجمع «مجموعة موانئ أبوظبي» بين تشغيل المحطات والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية. وفي قطاع التعدين، تتوسع «إنترناشيونال ريسورسز هولدينغ»، التابعة لمجموعة «العالمية القابضة»، في أصول المعادن الاستراتيجية، بينما تنشط شركة «مصدر» في مشروعات الطاقة المتجددة.
أما «الإمارات العالمية للألمنيوم»، فتستفيد من الوصول إلى المواد الخام، وفي مقدمتها البوكسيت، الذي يُعالج لإنتاج الألومينا المستخدمة في صناعة الألمنيوم. وفي المجال الرقمي، تسعى مجموعة «جي 42» إلى توسيع حضورها عبر مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
ويكتسب هذا التنوع أهميته من إمكانية تكامل حلقات النشاط الاقتصادي: تأمين المواد الخام، ونقلها عبر ممرات لوجستية، وربطها بمرافق المعالجة والتصنيع، ثم تسهيل وصول المنتجات إلى الأسواق الخارجية.
ومن منظور تجاري، يمكن لهذا النموذج أن يخفض تكاليف النقل ويعزز كفاءة سلاسل الإمداد. لكن من منظور استراتيجي، يثير أيضًا مسألة تركّز الأصول الحيوية في أيدي مجموعات أجنبية، ومدى قدرة الدول المضيفة على الاحتفاظ بالسيطرة الفعلية على الموارد والبنية التحتية التي تعتمد عليها اقتصاداتها.
شرق أفريقيا.. حيث تلتقي الموانئ بالحسابات الأمنية
تبدو أهمية هذا التوسع أكثر وضوحًا في شرق أفريقيا، بالنظر إلى موقع المنطقة عند تقاطع البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وقربها من مضيق باب المندب، أحد الممرات الحيوية لحركة التجارة الدولية.
وقدّر مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، في دراسة نشرها في يوليو/تموز 2025، قيمة المشروعات والاستثمارات الإماراتية التي رصدها في شرق أفريقيا بنحو 47.4 مليار دولار. وتوزعت القيمة التقديرية على قطاعات الطاقة بنحو 19.3 مليار دولار، والزراعة بـ11.9 مليارًا، والموانئ بـ7.3 مليارات، والبنية التحتية بـ5.9 مليارات، والتعدين بـ2.7 مليار دولار.
ويشمل هذا التقدير مشروعات توقفت أو تعثرت لاحقًا، ولذلك لا ينبغي التعامل معه باعتباره قيمة مؤكدة للأصول العاملة أو الاستثمارات المنفذة بالكامل. ومع ذلك، فإنه يعكس اتساع نطاق الحضور الإماراتي في منطقة تتجاوز أهميتها حدود التجارة إلى اعتبارات الأمن البحري والتنافس الإقليمي.
وفي السياق نفسه، رصد المركز انخراطًا إماراتيًا في القطاع الأمني في ثماني دول ومناطق من أصل اثنتي عشرة شملتها دراسته، واصفًا الإمارات بأنها من القوى الإقليمية النشطة في تمويل المبادرات الأمنية ونقل السلاح والتعاون العسكري في شرق أفريقيا.
ولا يثبت تزامن الاستثمارات الاقتصادية مع التعاون الأمني أن الأولوية العسكرية هي المحرك الأساسي لجميع المشروعات. إلا أن اجتماع الأدوات الاقتصادية والأمنية في المواقع الساحلية نفسها يتيح لأبوظبي، من حيث المبدأ، هامشًا أوسع للحركة والتأثير مما يتيحه الاستثمار التجاري المنفرد.
بربرة.. ميناء تجاري في موقع استراتيجي
يمثل ميناء بربرة في أرض الصومال أحد أبرز الأمثلة على التداخل بين الاعتبارات التجارية والجغرافية في التوسع الإماراتي.
فقد حصلت «موانئ دبي العالمية» على امتياز لمدة ثلاثين عامًا لتطوير الميناء وتشغيله، باستثمار قُدّر بنحو 442 مليون دولار وحصة تبلغ 51%، بالتوازي مع مشروعات لتطوير الطرق والطاقة والبنية التحتية المرتبطة به.
وتنبع الأهمية الاستراتيجية للمشروع من موقع بربرة على خليج عدن، فضلًا عن إمكانية تطويره منفذًا إضافيًا للتجارة الإثيوبية. وتعتمد إثيوبيا، وهي دولة غير ساحلية وأحد الاقتصادات الكبرى في القرن الأفريقي، بدرجة كبيرة على الموانئ الإقليمية، وفي مقدمتها ميناء جيبوتي.
ومن شأن تطوير بربرة أن يخلق بديلًا لوجستيًا محتملًا، وأن يعزز موقع الإمارات في شبكة النقل الإقليمية، لكن حجم هذا الدور يظل مرتبطًا بالقدرة التشغيلية للميناء، والاتفاقات التجارية، وتطور العلاقات بين الأطراف المعنية.
وتتجاوز المسألة حدود الاستثمار التجاري مع النظر إلى الترتيبات الأمنية المصاحبة. ففي عام 2017، وقعت الإمارات وأرض الصومال اتفاقًا دفاعيًا شمل استخدام المطار لأغراض عسكرية.
وفي تحقيق نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في 6 يوليو/تموز 2026، استنادًا إلى صور أقمار صناعية ومصادر أمنية، وردت معلومات عن أعمال تطوير واسعة في الموقع بدأت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، شملت منشآت يُشتبه في تخصيص بعضها للوقود أو الذخيرة. كما نقل التحقيق عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية تقديرات تتعلق بتجهيزات قد تخدم دفاعات جوية.
وتظل طبيعة بعض المنشآت ووظائفها العسكرية بحاجة إلى التمييز بين ما أمكن رصده وما يستند إلى تقديرات المصادر الأمنية. غير أن وجود اتفاق دفاعي إلى جانب الامتياز التجاري يجعل بربرة حالة تستحق المتابعة عند تقييم العلاقة بين الاستثمار طويل الأجل وترتيبات الأمن الإقليمي.
عصب وباب المندب.. من تأمين التجارة إلى دعم العمليات العسكرية
سبق الوجود الإماراتي في بربرة حضورٌ في ميناء عصب الإريتري، حيث حصلت أبوظبي على ترتيبات لاستخدام الميناء لمدة ثلاثين عامًا، قبل أن يتحول الموقع خلال حرب اليمن إلى قاعدة عسكرية لدعم العمليات الإماراتية على الضفة المقابلة من البحر الأحمر.
وتراجع الوجود العسكري الإماراتي في عصب منذ عام 2021، مع استمرار الإشارة إلى التعاون العسكري بين أبوظبي وأسمرة في سياقات مختلفة.
وتكشف تجربة عصب عن وظيفة محتملة للبنية التحتية الساحلية تتجاوز النشاط التجاري، إذ يمكن للموانئ والمطارات الواقعة قرب الممرات البحرية أن تتحول إلى منصات للإمداد والتحرك العسكري عند توافر الاتفاقات والقدرات اللازمة.
وعند قراءة تجربة عصب إلى جانب ترتيبات بربرة، تبرز أهمية الموقع الجغرافي في السياسة الإماراتية تجاه القرن الأفريقي. فالمسألة لا تتعلق بامتلاك الموانئ فحسب، بل بالوصول المستدام إلى مواقع يمكن أن تؤدي وظائف تجارية وأمنية في آن واحد.
ومع ذلك، ينبغي عدم الخلط بين القدرة على استخدام منشأة لأغراض عسكرية وبين إثبات أن كل مشروع اقتصادي في المنطقة صُمم أساسًا لتحقيق غاية عسكرية؛ فلكل حالة ظروفها واتفاقاتها وأدلتها الخاصة.
الصومال.. استثمارات تتجاوز الخلاف مع الحكومة المركزية
أظهرت الأزمة بين الإمارات والحكومة الفيدرالية الصومالية جانبًا آخر من طبيعة هذا الحضور. ففي يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت الحكومة الفيدرالية إلغاء اتفاقاتها مع الإمارات، واتهمتها بالمساس بالسيادة الصومالية.
لكن سلطات أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند رفضت موقف مقديشو، واستمرت في تعاونها مع أبوظبي، فيما واصلت «موانئ دبي العالمية» تشغيل ميناء بربرة.
وتعكس هذه التطورات تعقيدات المشهد الصومالي، حيث تتداخل صلاحيات الحكومة المركزية مع مواقف السلطات الإقليمية، وتختلف الأطراف بشأن حدود التعاقد الخارجي وإدارة الأصول الاستراتيجية.
ومن زاوية المصالح الإماراتية، يتيح استمرار العلاقات مع السلطات الإقليمية الحفاظ على قنوات النفوذ حتى في ظل تدهور العلاقات مع الحكومة المركزية. أما من زاوية السيادة، فإن تعدد مراكز القرار يثير أسئلة حول شرعية الاتفاقات طويلة الأجل، والجهة المخولة بإبرامها، ومدى اتساقها مع المصلحة الوطنية العامة.
ولا يكفي استمرار التعاون مع الأقاليم وحده لإثبات وجود سياسة متعمدة لتفكيك سلطة الدولة الصومالية. لكن الأزمة تبيّن أن الاستثمارات طويلة الأجل قد تتحول إلى عنصر مؤثر في النزاعات الداخلية، خصوصًا عندما ترتبط بموانئ وأراضٍ ومنشآت ذات قيمة استراتيجية.
زامبيا.. النحاس بين جذب التمويل والاحتفاظ بالقيمة المضافة
في زامبيا، يتخذ التوسع الإماراتي طابعًا مختلفًا، لكنه يرتبط بالسؤال نفسه بشأن توزيع المنافع الاقتصادية والسيطرة على الموارد.
ففي عام 2024، استحوذت «إنترناشيونال ريسورسز هولدينغ» على حصة تبلغ 51% في شركة «موباني لمناجم النحاس»، مقابل احتفاظ الدولة الزامبية بنسبة 49%، ضمن صفقة ارتبطت بالتزامات استثمارية وتمويلية قُدّرت بنحو 1.1 مليار دولار.
ويتيح هذا النوع من الصفقات للشركات الإماراتية الوصول إلى معدن استراتيجي يدخل في صناعات الطاقة والكهرباء والتكنولوجيا، فيما تحتاج زامبيا إلى التمويل والخبرات والاستثمارات اللازمة لتطوير قطاع التعدين.
لكن التقييم الاقتصادي للصفقة لا يتوقف عند حجم رأس المال الداخل إلى البلاد، بل يشمل أيضًا شروط التمويل، وتوزيع الأرباح، وحجم العمالة المحلية، والضرائب، ومدى تطوير الصناعات التحويلية داخل زامبيا بدل الاكتفاء باستخراج الخام وتصديره.
وفي سياق أوسع، دخلت المجموعة الإماراتية في تعاون مع مؤسسة الاستثمار العام في جنوب أفريقيا لاستكشاف فرص في التعدين والطاقة النظيفة، إلى جانب تطوير قدرات النقل بالسكك الحديدية والشحن والموانئ.
وإذا تكاملت هذه الاستثمارات، فقد تنشأ شبكة تربط استخراج الموارد بوسائل نقلها وتصديرها. غير أن الحكم على أثرها النهائي يتطلب بيانات عن التنفيذ الفعلي للمشروعات، ومدى انعكاسها على القيمة المضافة المحلية والإيرادات العامة.
غينيا.. عندما تصطدم مصالح المستثمر بأولويات الدولة المضيفة
تقدم غينيا مثالًا أكثر وضوحًا على التوتر المحتمل بين أهداف المستثمر الأجنبي وتطلعات الدولة المنتجة للمواد الخام.
فقد استثمرت «الإمارات العالمية للألمنيوم» أكثر من مليار دولار في مشروع «غينيا ألومينا كوربوريشن» لاستخراج البوكسيت، ووصلت صادرات المشروع في ذروة نشاطه إلى نحو 14 مليون طن سنويًا. ويمثل البوكسيت المادة الخام الأساسية لإنتاج الألومينا، التي تدخل بدورها في صناعة الألمنيوم.
وتكتسب هذه الإمدادات أهمية بالنسبة إلى الشركة الإماراتية، بالنظر إلى ارتباط الخام الأفريقي بسلسلة التصنيع التابعة لها داخل الإمارات. لكن هذه العلاقة تطرح في المقابل سؤالًا جوهريًا بالنسبة إلى الدول المنتجة: هل تقتصر المنافع على الاستخراج والتصدير، أم تمتد إلى معالجة الخام وتصنيعه محليًا وتوفير فرص العمل ونقل التكنولوجيا؟
وفي يوليو/تموز 2025، سحبت السلطات الغينية ترخيص المشروع بعد خلاف بشأن إنشاء مصفاة للألومينا، ونقلت الأصول إلى شركة تعدين حكومية. وكشف الخلاف عن تمسك كوناكري بزيادة التصنيع المحلي والاحتفاظ بجزء أكبر من العائدات الاقتصادية داخل البلاد، بدل استمرار تصدير الخام ضمن سلسلة إنتاج تقودها مصالح صناعية خارجية.
ولا يمكن اختزال النزاع في مواجهة بين دولة أفريقية ومستثمر إماراتي؛ فهو يعكس خلافًا أوسع حول شروط استغلال الموارد الطبيعية، ومدى التزام المستثمرين بتحويل الوعود الصناعية إلى مشروعات فعلية.
ومع ذلك، فإن هذه الحالة تبرز حدود النفوذ الذي يمكن أن يتيحه الاستثمار الأجنبي: فامتلاك رأس المال والقدرة على الوصول إلى الأسواق لا يضمنان بالضرورة استمرار الامتيازات عندما تقرر الدولة المضيفة إعادة النظر في شروط التعاقد أو فرض أولويات تنموية مختلفة.
بين الشراكة الاقتصادية وتكريس الاعتماد
تستند الحجج المؤيدة للتوسع الإماراتي إلى أن أفريقيا تحتاج إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية والطاقة والتعدين والنقل، وأن التمويل الخليجي يمكن أن يساهم في سد فجوات لا تستطيع الموازنات الحكومية أو المؤسسات المحلية تغطيتها بمفردها.
كما يمكن للاستثمارات في الموانئ والطرق ومرافق الطاقة أن تخفض تكاليف النقل، وتخلق فرص عمل، وتحسن قدرة الاقتصادات الأفريقية على الوصول إلى الأسواق العالمية. ومن ثم، فإن الاعتراض على الاستثمار الأجنبي لمجرد مصدره لا يقدم تقييمًا اقتصاديًا متوازنًا.
لكن المسألة تتعلق بشروط هذه الشراكة، لا بمجرد وجودها. فالميناء الذي يرفع قدرة بلد ما على التصدير قد يصبح أيضًا مصدر اعتماد طويل الأجل إذا افتقرت الدولة إلى بدائل تشغيلية أو تفاوضية. والمنجم الذي يجذب التمويل قد يحقق عائدات محدودة إذا بقيت المعالجة الصناعية والتكنولوجيا والوظائف الأعلى قيمة خارج البلاد.
وتزداد هذه المخاوف عندما تتداخل الامتيازات التجارية مع ترتيبات أمنية أو علاقات سياسية مع سلطات محلية متنازعة. ففي مثل هذه الحالات، لا يعود تقييم الاستثمار مقتصرًا على الأرباح والإيرادات، بل يشمل أثره في توازنات السلطة، وقدرة المؤسسات الوطنية على فرض شروطها، وشفافية القرارات المتعلقة بالأصول الاستراتيجية.
ولذلك، فإن المعيار الأهم ليس حجم الاستثمارات المعلنة وحده، وإنما ما إذا كانت تعزز استقلال الاقتصادات الأفريقية وقدرتها على تنويع شركائها، أم تضع أجزاء متزايدة من بنيتها الحيوية ضمن ترتيبات يصعب تعديلها مستقبلًا.
ما الذي تكشفه الخريطة الأفريقية؟
تسمح الوقائع المتاحة برصد ثلاثة اتجاهات متداخلة في التوسع الإماراتي.
أولها، السعي إلى تأمين الوصول إلى الموارد الطبيعية، ولا سيما المعادن المرتبطة بالطاقة والصناعات التحويلية. وثانيها، بناء حضور لوجستي في مواقع ساحلية وممرات بحرية ذات أهمية للتجارة الدولية. وثالثها، توسيع العلاقات الأمنية والسياسية في بعض المناطق التي تستضيف هذه الاستثمارات.
ولا تعني هذه الاتجاهات بالضرورة وجود خطة مركزية واحدة تحكم جميع المشروعات، كما لا تثبت أن دوافع الإمارات اقتصادية أو أمنية بصورة حصرية. لكنها تشير إلى نموذج تتقاطع فيه مصالح الشركات مع أولويات الدولة الاستراتيجية، ويتيح تنوع القطاعات والمواقع بناء نفوذ يتجاوز العائد المالي المباشر.
وتظل هناك حاجة إلى بيانات أكثر تفصيلًا عن الاستثمارات المنفذة، وشروط الامتيازات، والملكية الفعلية للأصول، والالتزامات الأمنية المرتبطة بها، فضلًا عن أثرها في الإيرادات العامة والتوظيف والتصنيع المحلي. ومن دون هذه البيانات، يصعب إصدار حكم شامل على حصيلة التجربة أو على دوافعها النهائية.
ا النفوذ لا يُقاس بحجم الاستثمار وحده
إن التوسع الإماراتي في أفريقيا يستحق قراءة تتجاوز خطاب الفرص الاقتصادية، من دون الانزلاق إلى افتراضات غير مثبتة عن النوايا أو التعامل مع جميع المشروعات بوصفها أدوات للسيطرة.
فحين تجتمع الموانئ والمناجم وممرات النقل مع علاقات أمنية واتفاقات طويلة الأجل، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة النفوذ الذي يتشكل، وعن مدى التوازن بين مصالح المستثمر والدولة المضيفة.
ولا تكمن المسألة في أن الإمارات تستثمر في أفريقيا، بل في الشروط التي تحكم هذا الاستثمار، وطبيعة الأصول التي يتيح الوصول إليها، وحدود المساءلة والرقابة الوطنية، ومدى استفادة المجتمعات المحلية من القيمة التي تنتجها مواردها.
وفي نهاية المطاف، لن يُحسم تقييم هذا التوسع بحجم الأموال المعلنة أو عدد الموانئ والمناجم التي تدخلها الشركات الإماراتية، بل بقدرته على بناء شراكات متوازنة وشفافة، تحافظ على سيادة الدول الأفريقية وتمنحها حصة عادلة من العوائد. أما إذا تحولت الاستثمارات إلى أدوات تمنح طرفًا خارجيًا قدرة غير متناسبة على التأثير في الموارد والممرات الحيوية والقرارات المحلية، فإن الحديث عن التنمية وحدها لن يكون كافيًا لتفسير أبعاد الحضور الإماراتي في القارة.






