أظهر التقرير الصادر عن مؤسسات الأسرى في فلسطين، صورة قاتمة وشديدة القسوة عن واقع الاعتقال في الأراضي الفلسطينية، وتحديدًا منذ بدء العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2024. فالأرقام التي وردت في التقرير لا تكتفي برصد كمّي لحجم الانتهاكات، بل تكشف عن نمط ممنهج من السياسات العقابية الجماعية التي تستهدف كافة شرائح المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك النساء والأطفال والصحفيين، وحتى من لا يُصنّفون عادة كجزء من الفاعلين السياسيين أو المقاومين، كحالة العمال والمرضى.
تنكيل واعتداء جسدي ونفسي
بلغ عدد حالات الاعتقال منذ بدء العدوان نحو 18,500 مواطن، وهو رقم مهول يعكس ليس فقط طبيعة التصعيد الأمني والعسكري، بل أيضًا التوجه الإسرائيلي نحو استخدام الاعتقال كأداة حرب بحد ذاتها، وليست فقط وسيلة لـ”الردع الأمني”. وتبرز دلالة هذا الرقم أكثر حين نعلم أن من بين المعتقلين نساءً من مناطق الـ48، وأطفالًا قُدّرت حالات اعتقالهم بأكثر من 1500 طفل، إلى جانب أكثر من 194 صحفيًا تم استهدافهم، لا يزال منهم 49 رهن الاعتقال، في محاولة واضحة لإسكات الرواية الفلسطينية وتقييد حرية الإعلام.
تواكب هذه الاعتقالات أنماط متكررة من الانتهاكات الجسيمة، شملت التنكيل والاعتداء الجسدي والنفسي، والتخريب المتعمد لمنازل المواطنين والاستيلاء على ممتلكاتهم، بما فيها المركبات والمصاغ الذهبي، وهو ما يُفسَّر كسياسة عقاب جماعي منهجي. أما التصعيد الأخطر، فيكمن في استخدام المدنيين كرهائن، والمعتقلين كدروع بشرية، وهو ما يدخل في نطاق الجرائم المحظورة وفق القانون الدولي الإنساني.
الإخفاء القسري
ولا تنفصل سياسة الاعتقال هذه عن عمليات الإعدام الميداني التي وثقها التقرير، والتي لم تقتصر على المقاومين أو المشتبه بهم، بل طالت أفرادًا من عائلات المعتقلين، في رسالة واضحة من الاحتلال بأن العقوبة لا تقتصر على الفرد، بل تطال بيئته ومحيطه.
ما يزيد من فداحة الصورة، هو الإخفاء القسري الذي يتعرّض له آلاف المعتقلين من غزة. فالإحصاءات الرسمية تشير إلى استشهاد 75 أسيرًا على الأقل منذ السابع من أكتوبر، بينهم 46 من غزة، مع تأكيد المؤسسات الحقوقية على أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بكثير، خاصة وأن الاحتلال لا يفصح عن أسماء أو أماكن وجود كثير من المعتقلين الذين تم تصنيفهم كمختفين قسرًا، أو تم إعدامهم ميدانيًا دون توثيق.
وفي السياق ذاته، يحتفظ الاحتلال بجثامين 72 أسيرًا استشهدوا خلال فترة العدوان، من أصل 83 شهيدًا ما زال جثمانهم محتجزًا، وهي سياسة تستخدمها إسرائيل كورقة ضغط ومساومة سياسية ونفسية، بما يتنافى مع أبسط معايير الكرامة الإنسانية.
دلالات مقلقة
أما المعطيات المتعلقة بالمحتجزين حتى يوليو 2025، فتشير إلى أن عدد الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية بلغ نحو 10,800، وهو الأعلى منذ اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000. اللافت أن هذا الرقم لا يشمل المعتقلين في المعسكرات العسكرية، مما يعني أن العدد الفعلي قد يكون أعلى بكثير. من بين هؤلاء الأسرى، 49 أسيرة فقط، وهو رقم يبدو متواضعًا ظاهريًا، لكن التقرير يؤكد أن عشرات من المعتقلات من غزة غير مشمولات بالإحصاء بسبب الإخفاء القسري.
وتُظهر الأرقام الأخرى دلالات مقلقة كذلك، حيث بلغ عدد المعتقلين الإداريين 3,629، أي أولئك الذين يُعتقلون دون تهمة أو محاكمة، وهو ما يُعد أحد أبرز أشكال التعسف القانوني في النظام القضائي الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين. إلى جانب ذلك، بلغ عدد من تم تصنيفهم كمقاتلين غير شرعيين 2,454، وهو تصنيف فضفاض يمنح سلطات الاحتلال صلاحيات استثنائية في التعامل معهم خارج الأطر القانونية التقليدية.
حرب إبادة جماعية
إن تحليل هذه المعطيات يُبرز تحولًا نوعيًا في سياسات الاحتلال تجاه الفلسطينيين خلال الحرب الجارية، بحيث لم تعد الاعتقالات مجرد أداة أمنية، بل جزءًا من منظومة أشمل لحرب إبادة جماعية، تُستخدم فيها كل الوسائل المتاحة – من القتل إلى السجن إلى الإخفاء القسري – لإخضاع المجتمع الفلسطيني أو تفكيكه. كما تكشف الأرقام أن الاستهداف لم يعد انتقائيًا، بل يشمل مكونات المجتمع كافة، ويُنفّذ على نطاق واسع ومنهجي.
أخيرًا، فإن التقرير يُعد بمثابة وثيقة حقوقية مهمة، توثق بالوقائع والأرقام انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، مما يُلزم المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة بالتعامل الجدي مع هذه المعطيات، والضغط من أجل إنهاء الانتهاكات المستمرة، وفتح تحقيقات شفافة تفضي إلى محاسبة المسؤولين عنها.







