يشير التصعيد الأخير في بغداد إلى أزمة أمنية تحمل في طياتها أبعاداً سياسية أعمق تتعلق بطبيعة التوازن الهش بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة ذات النفوذ الواسع. حادثة اقتحام مجموعة مسلحة لإحدى دوائر وزارة الزراعة، تزامناً مع مباشرة مدير جديد لمهامه، وما تبعها من اشتباكات أسفرت عن إصابات وقتلى، ليست مجرد حادث أمني عابر، بل تعكس تحدياً مباشراً لسلطة الدولة ومؤسساتها، وتعيد طرح الأسئلة القديمة حول حدود نفوذ الدولة مقابل الجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرتها.
وزارة الداخلية العراقية سارعت إلى الإعلان عن القبض على 14 مسلحاً شاركوا في الهجوم، وتوعدت بمحاسبة بقية الجناة، مؤكدة أن “هيبة الدولة وسيادة القانون خط أحمر”. ورغم أن هذا التصريح يندرج في إطار الخطاب الرسمي التقليدي، إلا أن التطورات الميدانية التي تلت ذلك، لا سيما الاشتباكات المسلحة، وانتشار القوات الأمنية في عدة مناطق بالعاصمة، وحصار مقرات فصائل مسلحة في الدورة، تشير إلى أزمة بنيوية أعمق، يتعذّر اختزالها بالإجراءات الأمنية الظرفية.
كبح نفوذ الفصائل المسلحة
لطالما مثّل وجود الفصائل المسلحة المرتبطة بقوى سياسية ومذهبية معضلة أمام مسار بناء دولة القانون في العراق، حيث غالباً ما تتقاطع مصالح هذه الجماعات مع القرارات الإدارية والسياسية. الاقتحام الذي جرى في دائرة حكومية تابعة لوزارة الزراعة، وتزامن مع تعيين مدير جديد، يشي بإمكانية وجود صراع نفوذ حول المناصب الإدارية، خصوصاً في الوزارات التي تمتلك صلاحيات مالية أو عقارية، ما يفتح باب التأويل إلى أن الأمر يتعلق بمحاولة فرض إرادات سياسية على القرار الإداري للدولة.
التصعيد الأمني الأخير ليس معزولاً عن المشهد السياسي المتأزم في البلاد، خاصة في ظل التجاذبات بين القوى الشيعية الممثلة في الإطار التنسيقي، ومحاولات بعض الأطراف كبح نفوذ الفصائل المسلحة أو إعادة تنظيم العلاقة بينها وبين الدولة. لكن هذه المحاولات كثيراً ما تصطدم بحقائق ميدانية، تتجلى في قدرة تلك الفصائل على التحرك عسكرياً داخل العاصمة، وتحديها المباشر للأجهزة الأمنية، بما يهدد الأمن العام والاستقرار السياسي في البلاد.
انفجار الصراع الداخلي
وفي السياق ذاته، فإن استدعاء تعزيزات عسكرية إلى شرق بغداد، ووقوع اشتباكات مشابهة قبل أيام في محافظة ميسان، يشير إلى اتساع رقعة التوترات، بما يعكس هشاشة الوضع الأمني في أكثر من منطقة. التحدي الأبرز هنا، أن الدولة تسعى إلى فرض القانون في ظل وجود كيانات مسلحة تُدار أحياناً بقرارات سياسية مستقلة، أو ترتبط بأجندات خارجية، مما يعقّد من فرص نزع سلاحها أو دمجها الكامل في مؤسسات الدولة.
إضافة إلى ذلك، فإن تكرار مشهد المواجهات بين قوات الأمن والفصائل المسلحة يضع الحكومة أمام مأزق مزدوج: فهي من جهة مطالبة بفرض الأمن وهيبة الدولة، ومن جهة أخرى تخشى من انفجار الصراع الداخلي مع قوى كانت حتى الأمس القريب جزءاً من منظومة “الحشد الشعبي” التي قاتلت تنظيم داعش، وتحظى بشرعية سياسية ودينية في بعض الأوساط.
تفكيك شبكات النفوذ
في هذا السياق، يظهر أن الحلول الأمنية وحدها غير كافية، بل لا بد من توافق سياسي داخلي حقيقي يُعيد ضبط العلاقة بين الدولة ومراكز النفوذ الموازي. لكن هذا التوافق يبدو صعب المنال في ظل التوازنات الحالية، وغياب إرادة سياسية حاسمة لتفكيك السلاح خارج الدولة، لا سيما عندما يكون هذا السلاح جزءاً من معادلات السلطة نفسها.
قد يُخمد التصعيد الأخير أمنياً، لكن جذور الأزمة تبقى حية، طالما أن مؤسسات الدولة ما زالت رهينة لثنائية “السلاح الشرعي والسلاح الموازي”، وطالما أن الدولة لم تُحسم خياراتها تجاه تفكيك شبكات النفوذ المسلح، وتحقيق استقلالية القرار الإداري بعيداً عن سطوة الفصائل.






