أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، السبت، تأجيل العملية الانتخابية في ثلاث محافظات رئيسية هي السويداء، الحسكة، والرقة، مبرّرة القرار بعدم توافر الظروف الأمنية الملائمة لإجراء اقتراع سليم يضمن العدالة والتمثيل المتكافئ. القرار الذي جاء قبيل الاستحقاق الانتخابي المزمع في سبتمبر/أيلول المقبل، أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا حول قدرة السلطة الانتقالية على المضي قدما في مسار سياسي صعب، وسط أزمات أمنية ومجتمعية متداخلة.
بين الشرعية الانتقالية ومعضلة الأمن
يمثّل مجلس الشعب الجديد أحد أبرز الاستحقاقات الدستورية التي نص عليها الإعلان الدستوري، باعتباره المؤسسة التشريعية المخوّلة بمواكبة المرحلة الانتقالية، إلى حين إقرار دستور دائم وتنظيم انتخابات عامة. غير أن استثناء ثلاث محافظات، لها ثقل ديمغرافي وسياسي، يعكس حجم التحديات التي تواجه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. فالسلطة الانتقالية التي عوّلت على الانتخابات كإحدى أدوات تثبيت الشرعية الداخلية، تجد نفسها مضطرة للتكيف مع واقع أمني هش، قد ينعكس سلبًا على مصداقية العملية برمتها.
السويداء: جرح مفتوح في الجنوب
شهدت محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، في يوليو/تموز الماضي أحداثًا دامية غير مسبوقة أسفرت عن مقتل أكثر من 1600 شخص، جلّهم من أبناء الطائفة الدرزية، إثر اشتباكات معقدة بدأت بين مسلحين محليين وآخرين من البدو، قبل أن تتدخل القوات الحكومية وتتحول المواجهات إلى صراع دموي واسع. وعلى الرغم من توقف القتال المباشر، إلا أن التوتر ما زال يخيم على المنطقة، ما يجعل من الصعب توفير بيئة آمنة للعملية الانتخابية.
الشمال الشرقي: تنازع سلطات مؤجل
أما في الحسكة والرقة، فإن سيطرة الإدارة الذاتية الكردية تزيد من تعقيد المشهد. فالعلاقة المتوترة مع السلطة الانتقالية، على الرغم من الاتفاق المبرم في مارس/آذار حول دمج المؤسسات المدنية والعسكرية، ما زالت تراوح مكانها، مع غياب التنفيذ الفعلي لبنوده. وتصرّ اللجنة العليا للانتخابات على أن الاقتراع “مسألة سيادية” لا يمكن تنظيمها إلا في مناطق تخضع لسيطرة الدولة الكاملة، وهو ما لم يتحقق بعد في المحافظتين.
الشرع وإدارة التوازنات
منذ توليه السلطة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد الإطاحة ببشار الأسد، يسعى الرئيس أحمد الشرع إلى رسم ملامح مرحلة انتقالية قوامها إعادة بناء الشرعية المؤسساتية. فقد ألغى البرلمان السابق وأصدر إعلانًا دستوريًا حدد مدة المرحلة بخمس سنوات، مع مجلس شعب جديد يمتد عمله لثلاثين شهرًا قابلة للتمديد. لكن هذه الخطوات، وإن كانت تحمل طابعًا إصلاحيًا، تظل رهينة قدرة السلطة على فرض الاستقرار الأمني وتجاوز الصراعات المناطقية.
بين الاستحقاق الدستوري والتحديات الواقعية
لا شك أن تأجيل الانتخابات في المحافظات الثلاث يكشف التناقض بين الرغبة في المضي قدمًا بمسار دستوري – يطمئن الداخل ويقنع الخارج بجدية التحول – وبين واقع أمني منقسم يفرض إيقاعه على القرارات السياسية. وبينما تُبقي اللجنة العليا مقاعد هذه المحافظات محفوظة إلى حين توفر الظروف المناسبة، فإن الرهان الأكبر يبقى على قدرة السلطة الانتقالية على بناء توافقات أوسع، ومعالجة الملفات الأمنية التي قد تُفشل أي محاولة لترسيخ مؤسسات الدولة الجديدة.






