تعود الذاكرة الاستعمارية لتتصدر المشهد السياسي في الجزائر، متقاطعةً هذه المرة مع نقاش قانوني داخلي وحساسية دبلوماسية خارجية غير مسبوقة. فبين مشروع قانون يهدف إلى تجريم الاستعمار الفرنسي ووصفه «جريمة دولة»، ومقترح آخر يضبط شروط إسقاط الجنسية في حالات «الخيانة العظمى».
يواجه البرلمان الجزائري، لحظة تشريعية فارقة، تعكس تحوّل الذاكرة من ملف رمزي إلى أداة قانونية، ومن خطاب سياسي إلى نصوص ملزمة، إذ يناقش مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، في ظل أزمة عميقة تخيّم على العلاقات الجزائرية–الفرنسية.
ويصوت البرلمان الجزائري الأربعاء على مشروع قانون يهدف الى تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر وتوصيفه على انه «جريمة دولة» ويطالب فرنسا بـ«اعتذار رسمي»، في وقت لا يزال البلدان غارقين في أزمة كبرى.
مخاوف سحب الجنسية
ويطالب النص الذي اطلعت وكالة الصحافة الفرنسية على نسخة منه وينتظر أن يصادق النواب عليه إلا اذا حدث طارئ، بتحمل الدولة الفرنسية «المسؤولية القانونية عن ماضيها الاستعماري للجزائر، وما خلفه من مآس» ويطالبها بالتعويض. وفي حال المصادقة عليه، ستكون للقانون دلالة رمزية قوية، لكن يبدو ان أثره العملي على مطالب التعويضات محدودا من دون اللجوء إلى هيئات دولية أو اتفاق ثنائي.
وكشف وزير العدل الجزائري لطفي حقيقة المخاوف المرتبطة بمشروع سحب الجنسية، الذي سينظر فيه المجلس الشعبي الوطني (النواب)، مع مشروع آخر يتعلق بتجريم الاستعمار، اليوم الأربعاء، مؤكدًا أن مشروع إسقاط الجنسية لن يستهدف المعارضين أصحاب الرأي المخالف وإنما «فقط الذين تثبت بحقهم تهمة الخيانة العظمى».
وهدف الوزير بوجمعة، في كلمة له أمام النواب، إلى تخفيف المخاوف المرتبطة بنص تعديل قانون الجنسية، الذي تقدم به هشام صيفر، النائب عن حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» المؤيد لسياسات السلطة التنفيذية، حيث شدد على أن «المعارضين أصحاب الرأي المخالف للحكومة، الذين يوجدون في الخارج، غير معنيين بإجراءات التجريد من الجنسية»، المتضمنة في النص الذي يحظى بتأييد غالبية الكتل البرلمانية.
حان الوقت لتجريم الاستعمار
وأوضح وزير العدل أن النص، الذي قوبل بكثير من الجدل «يتضمن ضمانات صارمة تهدف إلى تأطير إجراءات إسقاط الجنسية، من خلال تحديد الحالات التي يمكن فيها تطبيق هذا الإجراء بشكل واضح ودقيق». وشدد على أن التعديلات المقترحة «تنص على تعزيز الإطار القانوني، إذ تشترط توفر أدلة ملموسة ومعطيات ثابتة تثبت ارتكاب أفعال خطيرة». حسب الشرق الأوسط.
تعود جذور المعركة القانونية إلى عام 2006، حين طُرح المشروع لأول مرة ردًا على قانون البرلمان الفرنسي لعام 2005، الذي نص على تدريس “الدور الإيجابي” للاستعمار.
وتعقيبا على الحدث، أكد رئيس المجلس الشعبي الوطني، إبراهيم بوغالي، أن الوقت قد حان لتجريم الاستعمار، واصفًا الخطوة بأنها: “ليست خيارًا، بل واجب وطني وأخلاقي تجاه الشهداء والتاريخ، في ظل هجمات تهدف لتشويه صورة الجزائر” وفق تعبيره. حسب يورونيوز.
وأكد المتخصص في الشؤون المغاربية نزار مقني، أنه حين وُقعت اتفاقيات إيفيان التي أنهت رسميا الاستعمار الفرنسي في مارس/آذار 1962، خُيّل للجزائريين والفرنسيين أنّ صفحة جديدة قد فُتحت، غير أنّ تلك الصفحة ظلّت محمّلة ببقايا الماضي، وظلت العلاقة بين الجزائر وفرنسا محكومة بفترة استعمارية معقدة. في تصريح سابق لـ”يورونيوز”.
مرحلة شهدت جرائم جسيمة
وربط السياسي الجزائري عبد الرحمن صالح، بين البعد القانوني لمشروع تجريم الاستعمار والرهان السياسي الأوسع المرتبط بإدارة الذاكرة التاريخية بين الجزائر وفرنسا. ووفقا للمتحدث، لا يمكن فهم عودة المشروع إلى الواجهة بمعزل عن مسار طويل من المبادرات التشريعية التي بدأت منذ سنة 2009، ولم تكن يومًا خطوة معزولة أو رد فعل ظرفي. حسب يورونيوز.
وشدد صالح على أن الاعتراف القانوني المقترح “لا يختزل الفترة الممتدة بين 1830 و1962 في مجرد احتلال عسكري، بل يسعى إلى توصيفها توصيفًا دقيقًا بوصفها مرحلة شهدت جرائم جسيمة، من إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب”، وهو توصيف، يتقاطع مع ما وثقته شهادات تاريخية واعترافات جزئية صدرت لاحقًا عن مسؤولين فرنسيين.






