لا تنظر إيران إلى التقارب بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة باعتباره مجرد تطور في العلاقات الثنائية، بل تضعه ضمن معادلة أمنية أوسع تتداخل فيها الحسابات العسكرية، والموقع الاستراتيجي للخليج، والنفوذ الأميركي في المنطقة، والخلافات التاريخية على السيادة. وقد أعادت الزيارة المنسوبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي، في 27 سبتمبر/أيلول، هذه المخاوف إلى الواجهة، وسط اتهامات إيرانية بأن الإمارات قد تتحول إلى مساحة مساندة لترتيبات أمنية تستهدف الجمهورية الإسلامية.
غير أن تفسير الموقف الإيراني لا يكتمل بالنظر إلى العلاقات الإسرائيلية الإماراتية وحدها؛ إذ تتقاطع هذه القضية مع هشاشة الأمن الإقليمي، وأهمية مضيق هرمز لتجارة الطاقة العالمية، والنزاع على ثلاث جزر تسيطر عليها إيران وتطالب الإمارات بالسيادة عليها، فضلاً عن المصالح الاقتصادية التي تربط البلدين رغم التوتر السياسي والأمني.
وبينما ترى طهران في اتساع التعاون بين أبوظبي وتل أبيب عاملاً قد يغيّر موازين الأمن في جوارها المباشر، تجد الإمارات نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين شراكاتها الأمنية ومصالحها الاقتصادية، وبين ضرورة حماية أراضيها ومنشآتها من تداعيات المواجهة الإقليمية.
زيارة نتنياهو.. لماذا قرأت طهران اللقاء باعتباره رسالة أمنية؟
جاءت زيارة نتنياهو إلى أبوظبي في توقيت تتصاعد فيه المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وأكدت الإمارات، في 28 سبتمبر/أيلول، أن الرئيس محمد بن زايد آل نهيان التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي، موضحة أن المحادثات تناولت العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها.
ورغم أن الإعلان الإماراتي لم يشر إلى اتفاق عسكري جديد، فإن توقيت اللقاء ومكان انعقاده منحاه دلالات تتجاوز العلاقات الدبلوماسية، خصوصاً في ظل المواجهة الإقليمية المستمرة والوجود العسكري الأميركي في الخليج.
من وجهة نظر طهران، لا تكمن المشكلة في استمرار التواصل بين أبوظبي وتل أبيب فحسب، بل في احتمال أن يتطور هذا التواصل إلى تنسيق أمني واستخباراتي أوسع، بما قد يمنح إسرائيل مجالاً إضافياً لمراقبة التحركات الإيرانية أو دعم العمليات العسكرية ضدها. لكن هذا الاحتمال يظل في نطاق المخاوف والتقديرات الإيرانية، ولا يشكل بحد ذاته دليلاً على أن الإمارات وافقت على استخدام أراضيها لشن هجمات إسرائيلية.
وقد انعكست هذه المخاوف في تصريحات المسؤولين الإيرانيين. فبحسب المعلومات الواردة، حذر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي دول المنطقة من أن السماح لإسرائيل باستخدام أراضيها في عمليات ضد إيران قد يفضي إلى «عواقب وخيمة للغاية».
أما محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فوجه انتقادات أكثر حدة، محذراً من أن استضافة إسرائيل لن توفر للإمارات الأمن الذي لم تحققه، وفق تعبيره، استضافة القواعد العسكرية الأميركية.
وتكشف هذه التصريحات عن محاولة إيرانية لربط التقارب الإماراتي الإسرائيلي مباشرة بمخاطر التصعيد، وتوجيه رسالة إلى أبوظبي مفادها أن أي تعاون يُنظر إليه باعتباره موجهاً ضد إيران قد يترتب عليه ثمن أمني وسياسي.
الجغرافيا العسكرية.. لماذا تحتل الإمارات موقعاً حساساً في الحسابات الإيرانية؟
لا يمكن فصل الموقف الإيراني عن الموقع الجغرافي للإمارات. فالبلدان يقعان على ضفتي الخليج، وتتقاطع مصالحهما الأمنية عند مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
وتزداد حساسية هذا الموقع بسبب استضافة الإمارات منشآت عسكرية أميركية، من بينها قاعدة الظفرة الجوية، التي تستخدمها القوات الأميركية والفرنسية، فضلاً عن احتضانها بنية تحتية لوجستية واقتصادية واسعة. وتُعد هذه المنشآت، في الحسابات الإيرانية، جزءاً من شبكة الوجود العسكري الغربي القريبة من الأراضي الإيرانية.
وتمنح هذه الجغرافيا طهران سبباً إضافياً للقلق من أي توسع في التعاون الأمني بين الإمارات وإسرائيل. فالقرب المكاني من إيران، إلى جانب وجود قوات أميركية ومنشآت عسكرية متقدمة، يجعل أي تغير في طبيعة التعاون بين الأطراف الثلاثة مؤثراً في تقديرات الردع والإنذار المبكر والدفاع الجوي.
كما أن الإمارات طورت بنية لتصدير النفط عبر الفجيرة، الواقعة على خليج عُمان خارج مضيق هرمز، بما يتيح نقل جزء من صادراتها بعيداً عن الممر البحري الضيق. ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية في أوقات الأزمات، حين تصبح حرية الملاحة عبر المضيق عرضة للتهديدات العسكرية.
ومع ذلك، لا يعني الموقع الجغرافي وحده أن الإمارات تشارك في عمليات ضد إيران؛ لكنه يفسر لماذا تنظر طهران إلى أراضيها ومنشآتها باعتبارها عوامل مؤثرة في أي مواجهة محتملة.
من القواعد العسكرية إلى المنشآت الحيوية.. اتساع دائرة المواجهة
لم تبق المخاوف الإيرانية في إطار التصريحات السياسية. فمنذ اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران في فبراير/شباط 2026، تعرضت الإمارات لهجمات إيرانية متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدفت مواقع عسكرية أميركية وألحقت أضراراً بمنشآت حيوية، وفق تقارير أميركية ودولية.
وتشير بيانات خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي إلى أن الإمارات كانت من أكثر دول مجلس التعاون الخليجي تعرضاً للهجمات الإيرانية خلال هذه المواجهة، مع تسجيل أضرار في منشآت للطاقة والصناعة ومواقع مرتبطة بالوجود العسكري الغربي.
وتقول طهران إن استهدافها مواقع في دول الخليج يرتبط باستخدام منشآت عسكرية موجودة فيها في العمليات ضدها. في المقابل، أدانت الإمارات الهجمات على أراضيها، وأكدت حقها في حماية سيادتها وأمنها، فيما لا تكفي الاتهامات الإيرانية وحدها لإثبات أن كل موقع تعرض للهجوم كان مشاركاً في عمليات عسكرية ضد إيران.
وتحمل هذه التطورات دلالة تتجاوز الخلاف بشأن زيارة نتنياهو؛ إذ باتت البنية التحتية المدنية والاقتصادية في الخليج معرضة لتداعيات الصراع، مع تداخل الأهداف العسكرية مع المنشآت الصناعية ومرافق الطاقة.
وبذلك، لم تعد المخاوف الإماراتية مقتصرة على احتمال تحول التقارب مع إسرائيل إلى مصدر توتر مع إيران، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بكلفة أمنية واقتصادية ملموسة لأي تصعيد جديد.
الجزر الثلاث.. نزاع سيادي قديم يعود إلى واجهة التوتر
لم يكن استحضار طهران قضية الجزر الثلاث في سياق انتقاداتها للإمارات أمراً عرضياً. فالنزاع حول أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى يمثل أحد أقدم الخلافات الإقليمية بين البلدين، ويعود إلى عام 1971، عندما فرضت إيران سيطرتها على الجزر قبيل قيام دولة الإمارات بصورتها الاتحادية.
وتؤكد إيران أن الجزر جزء لا يتجزأ من أراضيها وأن سيادتها عليها غير قابلة للتفاوض. في المقابل، تطالب الإمارات باستعادة الجزر، وتدعو إلى تسوية النزاع عبر المفاوضات أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
وقد تجدد السجال بشأنها خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026، عندما أعادت الإمارات تأكيد مطالبها، وردت طهران بالتشديد على سيادتها على الجزر.
ويعكس إدراج القضية في الخطاب الإيراني المتعلق بالتقارب الإماراتي الإسرائيلي تداخل مسارين مختلفين: نزاع إقليمي قديم حول السيادة، ومخاوف أمنية حديثة مرتبطة بعلاقات الإمارات مع إسرائيل والولايات المتحدة.
ومن شأن هذا التداخل أن يرفع مستوى التوتر السياسي، لأنه ينقل الخلاف من ملفات قابلة للفصل، نظرياً، إلى تصور أوسع لدى كل طرف بشأن نيات الطرف الآخر وموقعه في التوازنات الإقليمية.
المفارقة الاقتصادية.. مصالح مشتركة في ظل انعدام الثقة
على الرغم من التوتر السياسي والعسكري، لا يمكن فهم العلاقة الإيرانية الإماراتية من منظور المواجهة وحدها. فقد شكلت الإمارات على مدى سنوات مركزاً مهماً للتجارة الإيرانية مع الأسواق الخارجية، مستفيدة من موقعها البحري وشبكاتها المالية واللوجستية.
لكن الحرب والعقوبات والتوترات الأمنية ألحقت أضراراً بهذه الروابط. ووفق تقرير نشرته الجزيرة في مايو/أيار 2026، اتخذت الإمارات إجراءات شملت تقييد بعض الأنشطة التجارية والمالية المرتبطة بإيران، فيما واجهت طهران صعوبات إضافية في استخدام الموانئ والشبكات التجارية الإماراتية للوصول إلى أسواق أخرى.
وتبرز هنا مفارقة أساسية: فإيران تنظر إلى الإمارات بوصفها جاراً جغرافياً وشريكاً تجارياً مهماً، لكنها تتعامل معها أمنياً باعتبارها دولة ترتبط بشراكات وثيقة مع خصميها الأميركي والإسرائيلي.
أما الإمارات، فتواجه بدورها تحدياً يتمثل في حماية علاقاتها الدولية ومصالحها الاقتصادية، مع تجنب تحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة لتبادل الضربات.
ولا يعني هذا الترابط الاقتصادي أن الطرفين قادران بالضرورة على احتواء خلافاتهما؛ فالحرب قد تدفع الاعتبارات الأمنية إلى التقدم على المصالح التجارية، كما أن تراجع الثقة قد يجعل استعادة العلاقات الطبيعية أكثر صعوبة حتى بعد انحسار المواجهة العسكرية.
هل يتجه الخليج إلى اصطفافات أمنية أكثر وضوحاً؟
يثير التقارب الإماراتي الإسرائيلي تساؤلات بشأن مستقبل التوازنات الأمنية في الخليج، ولا سيما إذا انتقلت العلاقات الثنائية من التعاون الدبلوماسي والاقتصادي إلى تنسيق أمني أوسع.
بالنسبة إلى إيران، قد يعني هذا التطور زيادة الضغط على محيطها الجغرافي، وتوسيع نطاق التعاون بين خصومها، وتعقيد قدرتها على الفصل بين المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وبين علاقاتها مع دول الخليج المجاورة.
لكن من الضروري التمييز بين تعميق العلاقات الثنائية وبين قيام تحالف عسكري متكامل. فالمعلومات المعلنة عن زيارة نتنياهو في سبتمبر/أيلول لا تثبت، بمفردها، التوصل إلى اتفاق عسكري جديد أو التزام إماراتي بالمشاركة في عمليات ضد إيران.
وفي المقابل، قد تدفع الهجمات التي تعرضت لها الإمارات دول الخليج إلى تعزيز تعاونها الدفاعي، مع استمرار البحث عن قنوات دبلوماسية تحول دون اتساع الصراع. ولا تقتضي هذه المسارات بالضرورة اتخاذ جميع دول المنطقة المواقف نفسها؛ إذ تختلف حساباتها الأمنية والاقتصادية وعلاقاتها الخارجية.
لذلك، فإن مستقبل التقارب الإسرائيلي الإماراتي لن يتحدد فقط بما يعلنه الطرفان من تفاهمات، بل أيضاً بمدى قدرة دول المنطقة على منع تحول التعاون الأمني إلى عامل إضافي لتوسيع الحرب.
ما الذي تخشاه طهران فعلياً؟
يتجاوز القلق الإيراني من الإمارات مسألة زيارة نتنياهو أو تطور العلاقات الثنائية. إنه يرتبط بتصور أوسع لتغير البيئة الأمنية المحيطة بإيران، حيث يتقاطع الوجود العسكري الأميركي مع علاقات إسرائيل المتنامية في المنطقة، وتكتسب الجغرافيا الخليجية ومضيق هرمز أهمية متزايدة في حسابات الردع والضغط المتبادل.
وتوفر الجزر الثلاث بعداً تاريخياً وسيادياً لهذا التوتر، بينما تكشف المصالح التجارية عن حدود القطيعة بين بلدين تربطهما روابط اقتصادية وجغرافية يصعب تجاهلها.
ومع ذلك، فإن اعتبار الإمارات جزءاً من منظومة تستهدف إيران يظل توصيفاً يعكس المخاوف الإيرانية، وليس حقيقة يمكن استنتاجها تلقائياً من اللقاءات الدبلوماسية أو العلاقات الثنائية.






