أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح ملف تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل إلى واجهة النقاش، رابطًا بين ما وصفه بالمساعدة الإسرائيلية للرياض في مواجهة الحوثيين وإمكانية إحياء «اتفاقات أبراهام»، التي شكلت أحد أبرز مسارات سياسته الشرق أوسطية خلال ولايته الأولى.
وفي تصريحات تناولت احتمال عودة الاتفاقات إلى الطاولة، قال ترامب إن ذلك قد يكون أقرب من أي وقت مضى، معربًا عن اعتقاده بأن السعودية سعيدة بتلقي الدعم من إسرائيل والولايات المتحدة. كما أكد أنه يرى أن على الرياض قبول المساعدة الإسرائيلية في مواجهة الحوثيين، مضيفًا أن إسرائيل ساعدت السعودية كثيرًا.
لكن هذه التصريحات، التي تعكس الرغبة الأميركية في توسيع دائرة التطبيع، لا تعني أن الرياض وتل أبيب باتتا على أعتاب اتفاق سياسي. فالمعلومات التي أوردتها تقارير إسرائيلية تشير إلى تباينات جوهرية بشأن طبيعة التعاون الأمني الممكن، وحدود الدور الإسرائيلي في اليمن، والشروط السياسية التي تربطها السعودية بأي تطبيع مستقبلي.
وبينما تسعى إسرائيل إلى استثمار التهديد الحوثي لفتح مسار جديد نحو الرياض، تبدو السعودية حريصة على الفصل بين حساباتها الأمنية وموقفها السياسي من إسرائيل، في ظل استمرار الحرب على غزة وتمسك المملكة بمطلب إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.
من المعلومات الاستخباراتية إلى رهانات التطبيع
بحسب تقارير إسرائيلية، تركزت المساعدة الإسرائيلية المقدمة للسعودية حتى الآن على معلومات استخباراتية تتعلق بأهداف في اليمن، في سياق المواجهة مع الحوثيين والتهديدات التي تستهدف أمن المنطقة والملاحة.
وإذا تأكد هذا التعاون، فإنه يعكس تقاطعًا محتملًا للمصالح الأمنية بين الطرفين، اللذين يواجهان تداعيات أنشطة الحوثيين، وإن اختلفت حساباتهما بشأن طبيعة الرد وحدود الانخراط العسكري.
غير أن الانتقال من تبادل المعلومات إلى تعاون عسكري معلن يظل مسألة أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يتعلق الأمر بجدوى المعلومات الاستخباراتية وحدها، بل أيضًا بالتداعيات السياسية التي قد تترتب على ظهور إسرائيل طرفًا مباشرًا في مواجهة عسكرية داخل اليمن.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير عن احتمال طلب السعودية منظومة دفاعية مماثلة لبعض الأنظمة المستخدمة في إسرائيل، وربطت بين دراسة هذا الطلب وإمكانية انضمام المملكة إلى اتفاقات أبراهام.
لكن هذه الرواية لا تثبت وجود صفقة متفق عليها بين الطرفين، ولا تكفي للقول إن التعاون الدفاعي أصبح مشروطًا رسميًا بالتطبيع. فمثل هذه الترتيبات تحتاج إلى تأكيدات بشأن طبيعة المفاوضات، وشروطها، والجهات التي وافقت عليها.
ومع ذلك، يكشف طرح هذه الاحتمالات عن محاولة إسرائيلية وأميركية، وفقًا للتقارير، توظيف التحديات الأمنية المشتركة لبناء أرضية سياسية أوسع. فالتعاون في مجال الدفاع قد يفتح قنوات اتصال، لكنه لا يحسم تلقائيًا الخلافات المتعلقة بفلسطين أو شكل العلاقات الدبلوماسية المستقبلية.
نتنياهو يريد اختراقًا سعوديًا.. والرياض تتحفظ
وفق تقرير نشره موقع «واينت» الإسرائيلي، يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عبر وساطة أميركية، إلى إقناع السعودية بالسماح لإسرائيل بالتدخل في المواجهة مع الحوثيين، في مسعى لربط التعاون الأمني المحتمل بتطوير العلاقات بين البلدين وفتح الطريق أمام التطبيع.
لكن التقرير نفسه نقل عن مصادر مطلعة أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يعارض تدخلًا عسكريًا إسرائيليًا في اليمن، وأن الرياض لا ترى في هذا الخيار مصلحة سياسية واضحة.
وبحسب مصدر دبلوماسي نقل عنه التقرير، فإن بن سلمان لا يرغب في الحصول على مساعدة إسرائيلية في هذه المواجهة، بسبب ما قد يثيره التعاون من ردود فعل سلبية في الرأي العام السعودي والإسلامي، فيما يظل التدخل العسكري الإسرائيلي في اليمن، وفق المصدر، خارج نطاق البحث.
وتعكس هذه المعطيات، إذا صحت، اختلافًا في حسابات الطرفين. فإسرائيل تسعى إلى توسيع حضورها الأمني والإقليمي وإظهار قدرتها على بناء شراكات تتجاوز دائرة الدول التي طبّعت علاقاتها معها بالفعل، بينما تحاول السعودية تجنب خطوات قد تُفسر داخليًا وإقليميًا على أنها انحياز إلى إسرائيل في ظل استمرار الحرب على غزة.
كما أن أي تدخل إسرائيلي مباشر في اليمن قد يضع الرياض أمام معادلة سياسية معقدة: الاستفادة المحتملة من القدرات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية في مواجهة الحوثيين، مقابل الكلفة التي قد يفرضها ذلك على صورتها الإقليمية وعلى موقفها المعلن من القضية الفلسطينية.
ومن هنا، لا يبدو الخلاف مقتصرًا على تقييم التهديد الحوثي، بل يشمل أيضًا تحديد الجهة التي تتولى مواجهته، وطبيعة التعاون المقبول، والحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها.
عقدة نتنياهو.. هل ينتظر التطبيع تغييرًا سياسيًا في إسرائيل؟
لا تتوقف العقبات أمام التقارب السعودي الإسرائيلي عند الملف اليمني. فقد نقل «واينت» عن مسؤولين مطلعين أن ولي العهد السعودي لا يثق بنتنياهو، وأن فرص إحراز تقدم في التطبيع تظل محدودة ما دامت الحكومة الإسرائيلية الحالية في السلطة.
وأشار التقرير إلى أن السعودية ودولًا عربية أخرى تتابع التطورات السياسية الإسرائيلية، وتنتظر الانتخابات المقبلة للكنيست، وسط آمال بإمكان حدوث تغييرات في المشهد السياسي.
وتكشف هذه المعطيات عن عامل كثيرًا ما يتراجع أمام التركيز على المصالح الأمنية والاقتصادية، وهو مسألة الثقة السياسية بين القيادات. فحتى عندما تتقاطع مصالح الدول في مواجهة تهديد معين، لا يعني ذلك بالضرورة أن الأطراف مستعدة لتحويل هذا التقاطع إلى علاقات دبلوماسية علنية أو التزامات استراتيجية طويلة الأمد.
وفي الحالة السعودية، يرتبط الموقف من التطبيع أيضًا بتقدير القيادة لتداعياته الإقليمية والداخلية، وبمدى استعداد الحكومة الإسرائيلية لتقديم خطوات سياسية تتصل بمستقبل الفلسطينيين.
ولا يمكن الجزم بأن تغيير الحكومة الإسرائيلية سيؤدي تلقائيًا إلى اتفاق مع السعودية، لكنه قد يؤثر في طبيعة الاتصالات والظروف السياسية المحيطة بها. فالمسألة لا تتعلق بشخص رئيس الوزراء وحده، بل بمواقف الحكومة الإسرائيلية من الدولة الفلسطينية، وبمدى استعدادها للقبول بمسار سياسي يلبي الحد الأدنى من المطالب السعودية.
فلسطين.. الشرط الذي لم يتجاوزه التقارب الأمني
تتمسك السعودية، وفق المواقف المعلنة التي استندت إليها التقارير، بضرورة إطلاق عملية سياسية جادة تقود في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، معتبرة أن التطبيع لا يمكن فصله عن مستقبل القضية الفلسطينية.
ويمنح هذا الشرط الرياض مساحة واضحة لتحديد إطار أي تفاوض مستقبلي، إذ يجعل التطبيع جزءًا من تسوية سياسية أوسع، وليس مجرد اتفاق ثنائي على العلاقات الدبلوماسية أو التعاون الأمني.
وتزداد أهمية هذا الموقف في ظل الحرب على غزة وما خلفته من تداعيات إنسانية وسياسية، إذ أصبحت أي خطوة نحو إقامة علاقات علنية مع إسرائيل مرتبطة بحسابات تتجاوز المصالح الثنائية إلى الموقف من الحقوق الفلسطينية ومستقبل الصراع.
وفي المقابل، تسعى إسرائيل إلى توسيع اتفاقات أبراهام لتشمل السعودية، لما يمكن أن يترتب على ذلك من مكاسب دبلوماسية واستراتيجية واقتصادية، فضلًا عن تعزيز علاقاتها مع دول عربية مؤثرة.
لكن الفجوة بين الطرفين تظل قائمة: فبينما يمكن بحث التعاون الأمني في ملفات محددة، لا يعني ذلك أن السعودية مستعدة للتخلي عن شرطها الفلسطيني أو قبول تطبيع لا يفضي إلى مسار سياسي جاد.
وهنا يكمن التحدي أمام واشنطن؛ إذ يتعين عليها، إذا أرادت إحراز تقدم في هذا الملف، أن تتعامل مع المطالب السعودية باعتبارها جزءًا من معادلة التفاوض، لا مجرد عقبة يمكن تجاوزها عبر ترتيبات أمنية مؤقتة.
اتفاقات أبراهام.. من اختراق دبلوماسي إلى اختبار جديد
وُقعت اتفاقات أبراهام عام 2020، خلال الولاية الأولى لترامب، وأفضت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، من بينها الإمارات والبحرين.
وكانت السعودية تجري آنذاك محادثات مع الولايات المتحدة بشأن إمكانية تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لكن المسار تعثر بعد اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل تمسك الرياض بموقفها من إقامة الدولة الفلسطينية.
ومنذ ذلك الحين، أصبح استئناف مسار التطبيع مرتبطًا بظروف إقليمية أكثر تعقيدًا، تشمل مستقبل الحرب على غزة، وأمن المنطقة، وموازين القوى، وطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها.
ويبدو أن ترامب يسعى إلى إعادة إحياء هذا المسار من خلال التركيز على المصالح المشتركة، وفي مقدمتها مواجهة التهديدات الأمنية، على أمل أن يؤدي التعاون العملي إلى خلق مناخ أكثر ملاءمة لاتفاق سياسي.
لكن التجربة تشير إلى أن التقارب الأمني، حتى عندما يكون مفيدًا للطرفين، لا يكفي وحده لتجاوز خلافات سياسية عميقة. كما أن نجاح الاتفاقات السابقة مع دول عربية أخرى لا يعني بالضرورة إمكان تكرار النموذج نفسه مع السعودية، بالنظر إلى ثقل المملكة الإقليمي ومكانتها الدينية والسياسية، فضلًا عن شروطها المعلنة بشأن فلسطين.
هل تتحول مواجهة الحوثيين إلى بوابة للتطبيع؟
يمثل الملف اليمني أحد المسارات التي قد تختبر قدرة واشنطن على الجمع بين المصالح الأمنية والتفاهمات السياسية. فمواجهة الحوثيين قد توفر أرضية للتنسيق بشأن المعلومات الاستخباراتية والدفاع عن المنشآت والملاحة، لكنها لا تحسم طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين السعودية وإسرائيل.
ويعتمد مستقبل هذا المسار على عدة عوامل، أبرزها موقف الرياض من أي تدخل عسكري إسرائيلي مباشر، ومدى استعداد الحكومة الإسرائيلية لتقديم خطوات سياسية تتصل بالقضية الفلسطينية، وقدرة الولايات المتحدة على بناء تفاهمات لا تقتصر على الجانب الأمني.
كما أن أي تعاون معلن سيحتاج إلى مراعاة ردود الفعل الإقليمية، وتقدير انعكاساته على العلاقات السعودية مع الدول العربية والإسلامية، وعلى صورة المملكة في ظل الحرب على غزة.
وفي المقابل، لا ينبغي استبعاد إمكان استمرار قنوات اتصال أو تفاهمات محدودة في ملفات أمنية معينة من دون أن تتطور إلى تطبيع دبلوماسي شامل. فالعلاقات بين الدول لا تتحرك دائمًا في مسار واحد، وقد يتقدم التعاون في مجال بينما يظل الجمود قائمًا في مجال آخر.
واشنطن تبحث عن صفقة، لكن شروط الرياض لم تتغير
تكشف تصريحات ترامب والتقارير الإسرائيلية عن محاولة لإعادة ربط مواجهة الحوثيين بمستقبل العلاقات السعودية الإسرائيلية، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى توسيع دائرة التطبيع، وتعمل واشنطن على استثمار المصالح الأمنية المشتركة لتحقيق اختراق دبلوماسي جديد.
لكن الطريق إلى هذا الاختراق لا يزال محاطًا بعقبات واضحة، من بينها رفض السعودية، وفق ما نقلته التقارير، تدخلًا عسكريًا إسرائيليًا مباشرًا في اليمن، والتحفظات المرتبطة بالثقة في نتنياهو، والتمسك بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.
ولا تثبت التصريحات الأميركية وحدها أ






