بعد أكثر من خمسين يوماً من الجمود السياسي والانقسام الحاد داخل أروقة الكونغرس الأميركي، أعلن الحزبان الجمهوري والديمقراطي نهاية أطول إغلاق حكومي في تاريخ البلاد.
عودة الحياة إلى واشنطن بعد أطول إغلاق حكومي
جاء القرار بعد تصويت مجلس الشيوخ على مشروع قانون مؤقت لتمويل الحكومة حتى نهاية يناير المقبل، وهو ما اعتبره الجمهوريون انتصاراً لاستراتيجيتهم القائمة على الصبر والانضباط الحزبي، وفي المقابل، بدا الديمقراطيون مشتتين بين من يرى أن الإغلاق كان ضرورياً لتثبيت مواقفهم السياسية، وبين من يعتقد أن طول الأزمة أضر بسمعتهم أمام الرأي العام.
انتهت أزمة الإغلاق على وقع تعب عام في الشارع الأميركي، حيث تأثر مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين برواتب متوقفة وخدمات حكومية شبه مشلولة، ورغم إعلان الرئيس السابق دونالد ترمب أن “البلاد فُتحت من جديد”، فإن التساؤلات ما زالت تُطرح حول ما إذا كان هذا الإغلاق قد عزز ثقة الأميركيين في مؤسساتهم أم عمّق الفجوة السياسية بينهم. فالصراع الذي بدأ على خلفية بنود تمويل محددة، تحوّل إلى معركة هوية بين تيارين متناقضين حول شكل الحكومة ودور الدولة في حياة المواطن الأميركي.
ومع عودة مجلس النواب للانعقاد، ظهرت علامات الارتياح داخل المعسكر الجمهوري، الذي اعتبر أن وحدة صفه كانت العامل الحاسم في هذه المواجهة الطويلة، فقد نجح قادة الحزب في فرض روايتهم أمام الإعلام، مؤكدين أن الديمقراطيين هم من أغلقوا البلاد من أجل “مطالب أيديولوجية لا واقعية”.
وقد حرص زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب مايك جونسون على التأكيد بأن “ما تم التصويت عليه في النهاية هو نفس العرض الذي قدمناه منذ أسابيع”.
في المقابل، أظهرت البيانات الصادرة عن الحزب الديمقراطي حالة من الارتباك الداخلي، إذ حاولت قياداته تبرير التنازلات بالقول إنهم “كسبوا تعهداً بإعادة طرح ملف الرعاية الصحية قريباً”، رغم أن هذا التعهد لم يُقر قانونياً بعد، واعتبر مراقبون أن الديمقراطيين خسروا المعركة من حيث المضمون، حتى وإن حاولوا الظهور بمظهر المنتصر المعنوي أمام قواعدهم الشعبية.
انقسام داخل الحزب الديمقراطي: أزمة هوية أم فشل تكتيكي؟
الأيام التي تلت إعادة فتح الحكومة كانت كاشفة لحجم الانقسام داخل الحزب الديمقراطي. فقد شنّ التيار التقدمي هجوماً قاسياً على القيادة، متّهماً إياها “بالتراجع أمام الجمهوريين دون مكاسب حقيقية”.
وأظهرت بيانات من جلسات داخلية في الحزب أن ثمانية من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين صوتوا لصالح مشروع القانون، ما أثار غضب القواعد اليسارية التي رأت في ذلك “خيانة للمبادئ”.
هذه الانقسامات لا تبدو مجرد حدث عابر، بل مؤشر على صراع داخلي يتفاقم حول استراتيجية المواجهة المقبلة مع الجمهوريين.
تشاك شومر، زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، حاول احتواء الغضب، مؤكداً أن ما حدث “قرار واقعي لتفادي ضرر أكبر”، لكن خطابه لم ينجح في تهدئة الجناح التقدمي الذي يقوده أعضاء معروفون بمواقفهم الراديكالية.
هؤلاء يرون أن الحزب فقد هويته كمدافع عن العدالة الاجتماعية، وأن “البراغماتية السياسية” أصبحت غطاءً للتنازل أمام خصومهم.
أما زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، فحاول بدوره الدفاع عن موقف حزبه، مؤكداً أن الإغلاق “سلّط الضوء على أهمية الرعاية الصحية أمام الشعب الأميركي”، في محاولة لإظهار أن الأزمة كشفت التناقضات داخل الحزب الجمهوري أيضاً، غير أن خطابه واجه انتقادات واسعة من داخل المعسكر الديمقراطي نفسه، إذ اعتبره البعض “خطاباً لتجميل الخسارة وليس لتفسيرها”.
في ظل هذا الانقسام، تشير استطلاعات الرأي الأولية إلى تراجع ثقة الناخبين الديمقراطيين في قياداتهم بنسبة 12%، وهي إشارة مقلقة قبل الانتخابات النصفية المقبلة، فالتيار التقدمي يطالب بإعادة هيكلة القيادة وتبني خطاب أكثر جرأة، فيما ترى القيادات التقليدية أن الاعتدال هو الطريق الوحيد لاستعادة الناخب الوسطي.
هذا الصراع الداخلي مرشح للتصاعد، وقد تكون معركة الإغلاق مجرد بداية لمرحلة من التفكك التنظيمي داخل الحزب.
ترمب يعود إلى الواجهة كلاعب مركزي في الحزب الجمهوري
لم يكن دونالد ترمب بعيداً عن تفاصيل المشهد، بل استغل الأزمة ليعيد تثبيت نفسه كلاعب محوري في الحزب الجمهوري. فخلال كلمته في يوم المحاربين القدامى بولاية فيرجينيا، أعلن أن “أميركا انتصرت على الفوضى التي صنعها الديمقراطيون”، موجهاً الشكر لقادة الحزب في الكونغرس على “ثباتهم في المعركة”.
وقد لاقت تصريحاته ترحيباً واسعاً بين المحافظين، الذين يرون أن الحزب يحتاج إلى زعيم قوي يوحد الصفوف في مواجهة “اليسار الليبرالي”.
عودة ترمب إلى المشهد السياسي في هذه التوقيتات الحساسة ليست مجرد رمزية، بل تعكس استعداد الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات المقبلة تحت رايته مجدداً، فالأزمة الأخيرة أكدت أن الانضباط الداخلي للحزب أصبح أكثر صلابة منذ فترة رئاسته، وأن كثيراً من الأعضاء ما زالوا يعتبرونه “الوجه الحقيقي للهوية الجمهورية”. كما أن نتائج الإغلاق عززت صورته كقائد قادر على تحقيق “الانتصار السياسي” دون تنازلات.
في المقابل، يخشى بعض الجمهوريين المعتدلين من أن عودة ترمب قد تُعيد الاستقطاب الشعبي إلى ذروته، مما يعقد فرص الحزب في كسب أصوات المستقلين، ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن نفوذه السياسي لا يزال طاغياً، وأنه يمتلك قاعدة جماهيرية تُمكّنه من التأثير في قرارات الحزب بشكل مباشر، سواء داخل الكونغرس أو في الانتخابات التمهيدية القادمة.
ويُجمع المراقبون على أن الأزمة الأخيرة منحت ترمب فرصة ذهبية لإعادة تسويق نفسه، ليس فقط كرمز للتيار المحافظ، بل كمنقذ للحزب من حالة الشلل السياسي، فبينما كان الديمقراطيون يغرقون في الخلافات الداخلية، ظهر هو بصورة “القائد القوي القادر على حسم المعركة”.
هل خسر الديمقراطيون المعركة أم كسبوا زخماً انتخابياً جديداً؟
رغم أن الصورة العامة تُظهر الحزب الديمقراطي في موقع الخاسر، فإن بعض المحللين يرون أن الإغلاق قد يكون أثار موجة تعاطف شعبي مع سياساتهم الاجتماعية، فالكثير من الأميركيين باتوا أكثر وعياً بقضايا مثل الرعاية الصحية ودعم الفئات الضعيفة، وهي ملفات يُجيد الديمقراطيون استثمارها انتخابياً.
لكن هذا الاحتمال يظل مرهوناً بقدرة الحزب على تجاوز الانقسامات الحالية وصياغة خطاب موحد. فالتجربة أثبتت أن الناخب الأميركي لا يُكافئ الأحزاب المنقسمة، حتى لو كانت قضاياها عادلة، وإذا لم ينجح الحزب في إعادة بناء الثقة الداخلية، فإن الجمهوريين سيستمرون في استغلال تشتته كوسيلة لتثبيت سلطتهم في الكونغرس.
وفي السياق نفسه، يحذر محللون من أن “الخطأ الأكبر الذي قد يرتكبه الديمقراطيون هو الاستغراق في جلد الذات بدل التخطيط”، خاصة أن الجمهوريين بدأوا بالفعل في التحضير لاستراتيجية انتخابية تركز على “الاستقرار الاقتصادي” و”محاربة البيروقراطية”، وهما شعاران يحظيان بدعم شعبي متزايد.
مع ذلك، لا يمكن القول إن الجمهوريين خرجوا من الأزمة بلا ثمن، فالإغلاق الطويل أضر بصورة الكونغرس ككل، وأثار تساؤلات حول قدرة النظام السياسي الأميركي على إدارة الخلافات دون تعطيل مؤسسات الدولة. ومن المرجح أن يظل هذا الملف ورقة انتخابية متبادلة بين الحزبين خلال العام المقبل.
نصر تكتيكي للجمهوريين
يرى البروفيسور ريتشارد ميلر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج تاون، أن ما حدث هو “نصر تكتيكي للجمهوريين، لكنه لا يرتقي إلى مستوى النصر الاستراتيجي”.
ويقول إن الحزب الجمهوري نجح في فرض إيقاعه داخل الكونغرس بفضل الانضباط التنظيمي، لكنه لم يقدم حلولاً اقتصادية أو اجتماعية ملموسة. “لقد كسبوا المعركة، لكنهم لم يعالجوا جذور الأزمة”، كما يصف ميلر الوضع.
ويضيف أن الديمقراطيين ارتكبوا خطأً كلاسيكياً حين جعلوا من الإغلاق أداة ضغط دون حساب الكلفة السياسية. “الناخب الأميركي لا يحب رؤية الحكومة مغلقة، بغض النظر عمّن تسبب بذلك”، موضحاً أن الجمهور يميل إلى معاقبة الطرفين في مثل هذه الأزمات.
ويرى أن الحزبين معاً فقدا جزءاً من رصيد الثقة الشعبي، وأن واشنطن باتت أمام مرحلة “شلل سياسي ناعم” قد يستمر حتى الانتخابات النصفية.
كما يؤكد ميلر أن الأزمة أظهرت مجدداً هشاشة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الولايات المتحدة، وأن استمرار التجاذبات قد يؤدي إلى شلل تشريعي في ملفات كبرى مثل الموازنة والدين العام، و“الإغلاق كشف عجز النظام الأميركي عن التكيف مع الانقسام الحزبي الحاد”، على حد قوله.
ويختتم قائلاً إن “ترمب خرج مستفيداً من الأزمة، لكن هذا لا يعني أن الجمهوريين في مأمن”. فبحسب رأيه، فإن أي خطأ في إدارة المرحلة المقبلة قد يُعيد الكرة للديمقراطيين، خصوصاً إذا نجحوا في تحويل الغضب الشعبي إلى برنامج انتخابي فعّال.
علامة على أزمة أعمق تضرب الديمقراطية
تقدم الدكتورة إليزابيث هاربر، باحثة في مركز بروكنغز للدراسات السياسية رؤية أكثر تشاؤماً، معتبرة أن “الإغلاق كان علامة على أزمة أعمق تضرب الديمقراطية الأميركية”، وتقول إن المشكلة لم تعد في الخلاف بين الحزبين، بل في غياب الثقافة التوافقية التي كانت تميّز السياسة الأميركية لعقود. “كل طرف اليوم يسعى إلى إذلال الآخر، وليس إلى إقناعه”، على حد وصفها.
وترى أن الجمهوريين، رغم انتصارهم الظاهري، وضعوا أنفسهم في مأزق أخلاقي، إذ أصروا على مواقفهم حتى لو كان الثمن هو تعطيل الدولة، أما الديمقراطيون، فتقول هاربر إنهم “أضاعوا البوصلة” بين المبادئ والمكاسب التكتيكية، مما جعلهم يفقدون الثقة حتى داخل قواعدهم الشبابية.
وتشير إلى أن الخاسر الأكبر من الإغلاق هو المواطن الأميركي العادي، الذي بات يرى في واشنطن “مسرحاً للخصومات وليس مركزاً للحكم الرشيد”، وتضيف أن استمرار هذا النمط من الأزمات سيؤدي إلى تآكل الشرعية السياسية للمؤسسات الفيدرالية ببطء.
وفي ختام تحليلها، تحذر هاربر من أن “الانتصارات التكتيكية قصيرة الأمد قد تفتح الباب أمام خسائر استراتيجية كبرى”، مشيرة إلى أن العام المقبل سيشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الحزبين على العودة إلى الحوار الديمقراطي بدلاً من سياسة الإغلاق والابتزاز المتبادل.






