القرار الإسرائيلي بزيادة العجز المالي لعام 2025 يكشف حجم الضغوط الاقتصادية التي تفرضها الحروب المتزامنة على قطاع غزة وإيران، ويعكس التحول في أولويات الحكومة التي باتت تضع الإنفاق العسكري فوق كل اعتبار آخر. فقد ذكرت صحيفة جلوبس أن العجز سيرتفع إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي بدلًا من 4.9%، في خطوة تهدف إلى تغطية الزيادة الكبيرة في موازنة الدفاع التي تجاوزت 31 مليار شيكل إضافية، ما يرفع سقف الإنفاق الكلي إلى 650 مليار شيكل. هذه القفزة المالية ليست مجرد رقم حسابي، بل هي مؤشر على أن إسرائيل تدخل مرحلة جديدة من الضغوط الهيكلية على موازنتها العامة.
انكماش الناتج المحلي الإسرائيلي
رغم محاولات وزارة المالية التخفيف من وقع القرار عبر الإشارة إلى ارتفاع الإيرادات الضريبية بما يتجاوز التوقعات، إلا أن الحقيقة أن الإنفاق العسكري الهائل لا يمكن تغطيته دون تحميل الموازنة أعباء إضافية. فالاقتطاعات المقترحة من البرامج الائتلافية، ومنها استرجاع 600 مليون شيكل من تمويلات التعليم الديني الحريدي، والتخفيضات البالغة 700 مليون شيكل من موازنات وزارات أخرى، تبقى محدودة التأثير إذا ما قورنت بالزيادة الضخمة في نفقات الدفاع. وبالتالي، فإن التوجه الحقيقي سيكون نحو مزيد من الاقتراض، ما يعني تضخم الدين العام وارتفاع تكاليف خدمته في السنوات المقبلة.
المؤشرات الاقتصادية الراهنة تعطي صورة قاتمة عن قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمل هذه الأعباء. فقد انكمش الناتج المحلي بنسبة 3.5% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2025، مع انخفاض نصيب الفرد بنسبة 4.4%، وتراجع قطاع الأعمال بنسبة 6.2%. هذه الأرقام لا تعكس فقط تأثير الإغلاق الجزئي الذي فرضته الحرب مع إيران، بل تؤشر أيضًا إلى هشاشة النمو في ظل استمرار العمليات العسكرية في غزة، ما دفع وزارة المالية نفسها إلى خفض توقعات النمو لعام 2025 إلى 3.1% فقط.
زيادة الضغط على الأجيال المقبلة
الزيادة في العجز المالي، وإن بدت على الورق طفيفة (0.3% من الناتج المحلي)، إلا أنها تكتسب أبعادًا مقلقة عندما ترتبط بتدهور النمو وتزايد الديون. إذ أن الأسواق والمستثمرين الأجانب ينظرون إلى هذه الخطوة كإشارة إلى تصاعد المخاطر الاقتصادية والسياسية في إسرائيل، وهو ما قد ينعكس في صورة تراجع الاستثمارات، وارتفاع تكاليف إصدار السندات الحكومية، وتراجع الثقة بالاقتصاد.
هذا المشهد يقود إلى خلاصة مفادها أن إسرائيل تدخل في معادلة اقتصادية صعبة: الإنفاق العسكري المتضخم يضمن استمرار العمليات الحربية، لكنه يضعف في المقابل قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها التنموية والاجتماعية. أي أن الكلفة الحقيقية للحرب لن تقتصر على الميدان العسكري، بل ستتجسد في تباطؤ النمو، وتراجع مستوى معيشة الأفراد، وزيادة الضغط على الأجيال المقبلة من خلال تضخم الدين العام. ومع استمرار الأوضاع الأمنية غير المستقرة، فإن التوازن بين متطلبات الأمن ومتطلبات الاقتصاد يبدو بعيد المنال في المدى المنظور.






