شهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مراسم تشييع رئيس ما تُسمى «حكومة الإنقاذ» التابعة للحوثيين، أحمد الرهوي، إلى جانب تسعة من وزرائه، بعد مقتلهم في ضربة إسرائيلية وُصفت بأنها «الأعنف» منذ انخراط الجماعة في الصراع مع تل أبيب.
رغم الخسارة السياسية الكبيرة، حاول الحوثيون إظهار تماسك صفوفهم عبر شعارات دعائية خلال الجنازة، لكن مشاهد الارتباك وغياب كبار القيادات عن الحضور عكست حجم الصدمة داخل الجماعة.
اختراق أمني يربك الحوثيين
واعتبر مراقبون أن العملية الأخيرة كشفت عن «اختراق استخباري غير مسبوق» لإسرائيل داخل بنية الجماعة، خصوصاً أنها استهدفت الصفين السياسي والإداري معاً.
ووفق مصادر يمنية، فإن التحقيقات الداخلية للجماعة حمّلت بعض دوائرها الأمنية مسؤولية الفشل في تأمين قياداتها، وسط تساؤلات عن كيفية وصول معلومات دقيقة إلى إسرائيل بشأن تحركات المسؤولين.
اعتقالات بالجملة.. والتهمة «التجسس»
رد الحوثيون على الضربة بتوسيع حملة اعتقالات طالت العشرات من الموظفين في رئاسة الحكومة الانقلابية ووزارات مختلفة.
وكشفت مصادر محلية أن أجهزة المخابرات التابعة للجماعة وجّهت اتهامات «فضفاضة» بالتجسس، فيما شملت الاعتقالات أيضاً 11 موظفاً تابعاً للأمم المتحدة في صنعاء والحديدة، ما أثار قلقاً واسعاً على الصعيد الدولي.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والمبعوث الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ، أصدرا بيانات إدانة شديدة لاحتجاز موظفي المنظمة الدولية.
غوتيريش شدد على أن «الاعتداء على موظفي الأمم المتحدة يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي»، داعياً إلى الإفراج الفوري عنهم. أما غروندبرغ فأكد أن هذه الإجراءات «تقوّض المساعي الأممية لإحلال السلام» في اليمن.
دعائية داخلية مقابل انتقادات حادة
في الوقت الذي سعت فيه وسائل إعلام الحوثيين لتأكيد أن «المؤسسات صامدة»، برزت أصوات يمنية معارضة من داخل صنعاء، حمّلت الجماعة مسؤولية ما وصفته بـ«التفريط بأمن قياداتها»، معتبرة أن الضربة الأخيرة قد تكون بداية مرحلة جديدة من استهداف إسرائيل للحوثيين.
ويخشى مراقبون أن تؤدي حملة الاعتقالات العشوائية إلى تصاعد التوترات الداخلية، خصوصاً في صفوف الموظفين والبيروقراطية التي تعاني أصلاً من الانهيار.
تصاعد مخاوف إنسانية
منظمات إغاثة عاملة في اليمن حذّرت من أن استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة يهدد بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية لملايين اليمنيين.
وأشارت تقارير ميدانية إلى أن بعض البرامج الإغاثية في صنعاء والحديدة قد توقفت بالفعل نتيجة غياب الطواقم الدولية.
الخسارة الحوثية الأخيرة لم تمر مرور الكرام في المحيط العربي، إذ اعتبرت أطراف خليجية أن الضربة الإسرائيلية تمثل «تطوراً نوعياً» قد يُضعف قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر.
في المقابل، التزمت طهران الصمت، فيما اكتفى مسؤولون إيرانيون بتصريحات مقتضبة تؤكد استمرار دعمهم لما وصفوه بـ«محور المقاومة».
مخاوف من تصعيد عسكري أكبر
الضربة الأخيرة أثارت تكهنات حول احتمال توسيع إسرائيل نطاق عملياتها ضد الحوثيين، خصوصاً في مناطق الساحل الغربي القريبة من البحر الأحمر.
مصادر عسكرية أكدت أن الجماعة رفعت حالة الاستنفار في الحديدة وتعز، تحسباً لهجمات جديدة قد تستهدف مخازن أسلحة أو مواقع تدريب.
مصادر سياسية في صنعاء أشارت إلى أن مقتل رئيس الحكومة وعدد من وزرائه خلق فراغاً إدارياً كبيراً داخل أجهزة الجماعة.
ورجّحت أن يتفاقم الصراع بين أجنحة الحوثيين حول من سيخلف القيادات المقتولة، ما قد يفتح الباب أمام مزيد من الانقسامات الداخلية.
مستقبل غامض للجماعة بعد الضربة
يرى خبراء أن الحوثيين يواجهون أصعب اختبار منذ اندلاع الحرب، إذ إن فقدان قيادات الصف الأول يُضعف قدرتهم على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
كما أن التصعيد مع الأمم المتحدة قد يفتح الباب أمام عزلة دولية أوسع، ويُضعف أوراق الجماعة في أي مفاوضات سياسية مقبلة.






