تتواصل منذ أربعة أيام المواجهات العنيفة بين الجيش السوداني وحلفائه من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى، على محوري أبو قعود وأم صميمة في شمال كردفان. الجيش والقوات المشتركة، مدعومين بغطاء جوي كثيف، أعلنوا تحقيق تقدم على الأرض، وتكبيد الدعم السريع خسائر فادحة في الأرواح والعتاد بعد التفاف تكتيكي ناجح. في المقابل، ترددت رواية أخرى من جانب الدعم السريع، التي أكدت أنها بدورها ألحقت خسائر كبيرة بالجيش واستولت على مركبات وأسلحة.
المعركة في شمال كردفان باتت أشبه بحرب استنزاف مفتوحة، حيث لعب سلاح الجو دورًا حاسمًا عبر استهداف التعزيزات القادمة من شمال بارا وكازقيل، ما أجبر الدعم السريع على التراجع نحو الخوي والنهود. هذا التحول يعكس استراتيجية الجيش في قطع طرق الإمداد، وفرض معادلة جديدة على ميدان المعركة.
الفاشر… المعركة على آخر العواصم
المدينة الاستراتيجية في شمال دارفور تحولت إلى مسرح لمعارك شرسة متعددة المحاور. الفاشر، التي تمثل آخر عاصمة إقليمية في دارفور ما زال الجيش يسيطر عليها، تعرضت لهجمات متكررة من الدعم السريع، قابلتها مقاومة عنيفة من الفرقة السادسة مشاة، مدعومة بمدفعية كثيفة.
القوات المشتركة أعلنت أنها صدت الهجمات وألحقت بالمهاجمين خسائر كبيرة، مؤكدة أن مطار الفاشر – أحد أهم المواقع الاستراتيجية – لا يزال تحت سيطرة الجيش. هذا المطار لا يمثل فقط شريان إمداد رئيسيًا للمدينة، بل يشكل خطًا أحمر في ميزان السيطرة الميدانية، إذ إن سقوطه قد يفتح الباب أمام انهيار دفاعات المدينة.
ما وراء الميدان: دلالات سياسية وعسكرية
تصريحات مني أركو مناوي، رئيس حركة تحرير السودان والمشرف على القوات المشتركة، بأن ما تحقق في كردفان “رسالة على وحدة السودان”، تؤكد أن المعركة تجاوزت بعدها العسكري. فهي تُخاض اليوم على رمزية الدولة ووحدة أراضيها. من جانبه، اعتبر جبريل إبراهيم، وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة، أن الانتصار الأخير يمثل عملية نوعية خلف خطوط العدو، ما يعكس رغبة الجيش وحلفائه في تسويق المعركة كتحول استراتيجي.
لكن في المقابل، يصر الدعم السريع على تصوير نفسه كقوة قادرة على التمدد والضغط، سواء عبر هجمات مباغتة في كردفان، أو محاولات التسلل إلى عمق الفاشر. هذا التناقض في السرديات يكشف أن الحرب لم تحسم بعد، بل دخلت مرحلة طويلة من الاستنزاف المتبادل.
المدنيون بين الجوع والمرض
في موازاة المعارك، يدفع المدنيون الثمن الأكبر. الفاشر ترزح تحت حصار خانق منذ أكثر من 15 شهرًا، مع تفاقم أزمة الغذاء وانتشار وباء الكوليرا الذي تجاوزت إصاباته سبعة آلاف حالة، وأدى إلى أكثر من 320 وفاة. مخيمات النازحين المكتظة تحولت إلى بؤر لتفشي الوباء، وسط ضعف الاستجابة الإنسانية.
وفي جنوب كردفان، شهدت كادوقلي انفراجًا نسبيًا بعد وصول بعض المواد الغذائية إلى الأسواق، لكن الأسعار بقيت فوق قدرة غالبية الأسر، نتيجة فقدان مصادر الدخل. ما يجعل أي انفراج اقتصادي هشًا وقابلًا للتلاشي أمام استمرار الحصار وإغلاق الطرق الحيوية.
حرب بلا أفق
المشهد السوداني اليوم محكوم بمعادلة دم ودمار: معارك طاحنة على الأرض، تفاقم الأزمات الإنسانية، وتوظيف سياسي للانتصارات الميدانية. الفاشر وكردفان ليستا مجرد ساحات قتال، بل تختصران صورة بلد يترنح بين الانقسام والصمود، بين خطاب “وحدة السودان” وشبح التشظي. وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، تبدو الحرب مرشحة للاستمرار كحرب استنزاف طويلة، يتقاسم كلفتها الجنود والمدنيون معًا.






