شهدت محافظة السويداء في جنوب سوريا خلال يوليو (تموز) سلسلة من أعمال العنف الطائفية التي فجرت أزمة إنسانية غير مسبوقة منذ سنوات، مهددة التعايش الهش بين المجتمعات المحلية وموّلدت نزوحاً واسع النطاق. يروي مثال عائلة فيصل صبيح، الذي فر من القتال الطائفي مع زوجته وأفراد أسرته، حجم المعاناة الإنسانية التي خلفتها هذه الاشتباكات، بما في ذلك فقدان الأحباء، وتدمير المنازل، وانعدام الأمن.
كانت السويداء، التي يقطنها أغلبية درزية في بلد يشكل فيه السنة الأغلبية، نموذجاً للتعايش بين الدروز والبدو السُّنة، حيث عاشت العائلات جنباً إلى جنب لسنوات طويلة، تتشارك الموارد الأساسية كالخبز والمياه، وتمارس حياة مشتركة في الحقول والقرى. هذا التعايش انهار فجأة نتيجة تصاعد العنف بعد حادثة اختطاف تاجر درزي على الطريق المؤدي إلى دمشق، الأمر الذي استغله مسلحون محليون لتوجيه اتهامات متبادلة بين البدو والدروز، ما أدى إلى أعمال انتقامية واسعة النطاق.
مدارس تحت حراسة مسلحة
وفقا لشهادات النازحين، فقد اقتيدت عائلات بدوية إلى مدارس تحت حراسة مسلحة، وأحيانا تعرضوا لإطلاق النار أثناء محاولاتهم للهرب، ما أسفر عن مقتل عدة أفراد بينهم شابة كانت على وشك الزواج، الأمر الذي يوضح البُعد الإنساني المأساوي لهذه الأزمة. وتبين الصور ومقاطع الفيديو التي تحققت وكالة «رويترز» من صحتها، أن العائلات احتُجزت في أماكن تحت سيطرة مسلحين دروز، ما يعكس تصاعد العنف الطائفي بشكل ملموس على الأرض.
التوتر الطائفي في السويداء لم يكن معزولاً عن الأبعاد السياسية والعسكرية في سوريا. فقد ظهرت جماعات مسلحة موالية لرجل الدين الدرزي حكمت الهجري، والتي لعبت دوراً أساسياً في الدفاع عن الدروز وتنظيم المجتمع المحلي، لكن في الوقت ذاته تم اتهامها من قبل بعض النازحين ووسائل الإعلام بارتكاب أعمال عنف وتهجير للسُّنة من مناطق معينة. وقد نفت قيادات درزية هذه الاتهامات، مؤكدة أنها سعت إلى حماية المدنيين، بينما استمر وجود احتكاك عميق بين الطرفين أدى إلى نزوح آلاف الأشخاص إلى محافظات مجاورة مثل درعا، حيث وجدوا مأوى مؤقتاً في منازل أقاربهم أو في مدارس وفنادق.
ضعف السيطرة الحكومية
تشير الأرقام الرسمية وغير الرسمية إلى أن ما بين 70 ألف إلى 120 ألف بدوي نزحوا عن السويداء، بينما بقي معظم الدروز في محافظتهم الأصلية، مع وقوع انتهاكات متبادلة شملت الاعتداء على المنازل وحرقها ونهبها. ومن اللافت أن هذه الأعداد تجعل هذه الأزمة واحدة من أكبر حالات النزوح الطائفي داخل سوريا منذ اندلاع الصراع المستمر منذ 2011، وهو ما يعكس حجم الانفجار الاجتماعي والسياسي في المحافظة.
تأتي هذه الأزمة في سياق ضعف واضح للسيطرة الحكومية على الأراضي السورية، حيث حاولت القوات الحكومية إعادة فرض النظام والأمن، لكنها اصطدمت بمسلحين دروز محليين، ما أدى إلى تفاقم الاشتباكات ونشوء فراغ أمني سمح باستمرار الأعمال العدائية والانتقامية. وفي هذه البيئة، أصبح النازحون بلا حماية فعالة، ما زاد من هشاشة الوضع الإنساني وعرقل إمكانية العودة إلى ديارهم في المستقبل القريب.
الحكومة السورية بادرت إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث، واعتقلت عدداً من أفراد الأمن للاشتباه في ارتكابهم انتهاكات، كما أعلنت خريطة طريق بالتعاون مع الولايات المتحدة والأردن تتضمن خطوات لإعادة النازحين إلى ديارهم. لكن جهود الحكومة اصطدمت برفض الهيئات المحلية الموالية للهجري، التي رفضت أي تواصل مباشر مع السلطات السورية وكررت مطالبتها بتقرير المصير، وهو أمر يتعارض مع سياسات الدولة المركزية ويعكس الانقسامات الداخلية ضمن المجتمع الدرزي في سوريا.
انعدام الثقة بين الدروز والبدو
الوضع القانوني والأمني للنازحين البدو أصبح معقداً بسبب تعدد الجهات الفاعلة: الحكومة، الجماعات المسلحة المحلية، والهيئات الدينية والزعامات العشائرية. في الوقت نفسه، يبرز انعدام الثقة المتبادل بين الدروز والبدو كعامل رئيسي يمنع إعادة التعايش كما كان، إذ يشير خبراء وباحثون إلى أن الانقسامات الطائفية العميقة والذكريات الصادمة من أعمال العنف الأخيرة جعلت فكرة العودة إلى الحياة الطبيعية شبه مستحيلة في المدى القريب، ما يعني استمرار أزمة النزوح وامتداد تأثيرها على البنية الاجتماعية للمحافظة.
تجربة عائلة صبيح تمثل مثالاً بشرياً ملموساً لهذه الأزمة: فقدان الأرض، القتل العشوائي للأفراد، والعيش في ظروف مؤقتة غير آمنة في مناطق أخرى. هذه التجربة تؤكد أن العنف الطائفي لا يقتصر على الأبعاد العسكرية أو السياسية، بل يمتد ليغير حياة المدنيين بالكامل، ويخلق جيلين من الضحايا: من فقدوا أحبائهم وأرضهم، ومن يواجهون صعوبة في إعادة بناء حياتهم ضمن بيئة مشحونة بالخوف والعداء.
التوتر الطائفي وحالة الجمود السياسي
على الرغم من تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل وتسهيلها لبعض الاتفاقات الأمنية، إلا أن عودة البدو إلى السويداء تبدو بعيدة في ظل استمرار التوتر الطائفي ورفض الجماعات المسلحة المحلية التعاون مع الحكومة، ما يخلق حالة من الجمود السياسي والأمني. كما أن التحديات الإنسانية المستمرة، بما في ذلك صعوبة استعادة الممتلكات والممتلكات المدمرة، تزيد من تعقيد الوضع وتؤكد أن الأزمة ليست مؤقتة، بل قد تشكل قاعدة لاضطرابات طويلة الأمد.
تعكس الأحداث الأخيرة في السويداء انهيار التعايش الطائفي الذي دام لعقود، وصعود النزاعات العرقية والدينية في مناطق سورية كانت تاريخياً نماذج للتعايش. وتظهر التجربة الإنسانية لعائلة صبيح وغيرهم من النازحين البدو أن الانقسامات الطائفية يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمات إنسانية واسعة النطاق، وأن الحلول السياسية والأمنية تتطلب توازناً دقيقاً بين السلطة المركزية، الهيئات المحلية، والمجتمع المدني لضمان إعادة الاستقرار، حماية المدنيين، وتمكين العودة الطوعية للنازحين. وفي ظل غياب هذا التوازن، ستستمر السويداء في مواجهة تبعات العنف الطائفي، مع تداعيات طويلة الأمد على التعايش الاجتماعي والنسيج المجتمعي في المحافظة.






