تشكل الزيارة المرتقبة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن هذا الشهر منعطفاً تاريخياً في مسار العلاقات السورية – الأميركية، ليس فقط لأنها الأولى من نوعها لرئيس سوري إلى البيت الأبيض، بل لأنها تأتي في لحظة إقليمية ودولية دقيقة تُعيد رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط بعد عقدين من القطيعة والتوتر.
الزيارة تحمل في مضمونها دلالات سياسية عميقة تتجاوز البعد البروتوكولي، إذ تعبّر عن قبول متبادل بفتح صفحة جديدة بين دمشق وواشنطن، ما قد يُفضي إلى إنهاء عزلة سوريا الطويلة واستعادتها موقعاً فاعلاً في التفاعلات الإقليمية.
بوابة واشنطن ورفع العقوبات
من زاوية أولى، تمثل الدعوة الأميركية للشرع إقراراً عملياً بشرعية النظام الجديد في دمشق بعد سنوات من الحرب والانقسام، وتعبيراً عن رغبة واشنطن في استثمار التحولات الداخلية في سوريا لإعادة صياغة علاقتها مع هذا البلد المحوري. فالولايات المتحدة التي قادت سياسة العقوبات والعزل ضد دمشق طوال العقدين الماضيين، تدرك أن استقرار سوريا بات شرطاً ضرورياً لاستقرار الإقليم، خصوصاً في ظل تصاعد أزمات الحدود، وملف اللاجئين، وانتشار شبكات التهريب والمخدرات.
ومن زاوية ثانية، فإن تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني حول أن «إعادة إعمار البلاد» ستكون محوراً رئيسياً في مباحثات الشرع، تكشف عن مسعى سوري واضح لربط التطبيع السياسي بالتعاون الاقتصادي. فدمشق تدرك أن بوابة واشنطن هي المدخل الأوسع لتخفيف العقوبات، وجذب الاستثمارات الغربية والخليجية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار المتعثرة. وبالتالي، قد تمثل الزيارة بداية مسار تدريجي نحو فك الحصار الاقتصادي وتطبيع العلاقات المالية والدبلوماسية مع الغرب.
تحديات زيارة الشرع لأمريكا
أما من حيث الانعكاسات الإقليمية، فإن خطوة كهذه ستعيد تموضع سوريا في الخارطة السياسية للشرق الأوسط، لتتحول من محور عزلة ومواجهة إلى طرف في شراكة أمنية واقتصادية أوسع. الانضمام المتوقع إلى التحالف الدولي ضد «داعش»، كما ذكرت مصادر أميركية، يرمز إلى رغبة مشتركة في ترميم الثقة الأمنية، وربما إلى بداية تعاون استخباراتي مباشر في ملفات الإرهاب والمخدرات، وهي ملفات أشار إليها الشيباني بوضوح خلال كلمته في «حوار المنامة».
لكن رغم الزخم الدبلوماسي، تبقى الزيارة محفوفة بتحديات واقعية؛ فإعادة بناء العلاقات السورية – الأميركية لن تكون سهلة في ظل إرث طويل من الصراع، ووجود قوى داخل واشنطن لا تزال تتحفظ على رفع العقوبات أو تقديم دعم مالي مباشر للنظام السوري. كما أن دمشق مطالبة بإثبات جديتها في ملفات العدالة الانتقالية، وعودة النازحين، وتعزيز الحكم المحلي، وهي قضايا ستحدد إلى أي مدى يمكن أن يتحول التقارب السياسي إلى شراكة حقيقية.
مرحلة انتقالية في السياسة السورية
على المستوى الداخلي، تعزز الزيارة موقع الشرع كرئيس يسعى لإخراج بلاده من دوامة الحرب والعزلة إلى فضاء الاعتراف الدولي. كما تمنح حكومته رصيداً سياسياً جديداً، خاصة بعد إشاراته المتكررة إلى بناء دولة قانون وتعزيز السلم الأهلي. هذه اللغة التصالحية التي تبناها وزير الخارجية توحي بتحول تدريجي في الخطاب الرسمي نحو الانفتاح، وتقديم صورة أكثر واقعية وعقلانية عن الدولة السورية الجديدة.
إن زيارة الشرع المرتقبة إلى واشنطن يمكن قراءتها كمؤشر على بداية مرحلة انتقالية في السياسة السورية، عنوانها «العودة إلى العالم» عبر بوابة الولايات المتحدة. نجاح هذه الزيارة سيعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز الحسابات القديمة، وصياغة تفاهمات جديدة قائمة على المصالح المشتركة، لا على المواجهة الأيديولوجية. وإذا ما نجحت دمشق في ترجمة هذا التقارب إلى خطوات عملية في إعادة الإعمار والإصلاح الداخلي، فقد تشهد سوريا خلال السنوات المقبلة تحوّلاً جذرياً من دولة محاصَرة إلى شريك فاعل في منظومة الاستقرار الإقليمي.






