تُظهر المعطيات السياسية الأخيرة في لبنان أن الملف المتصل بالتفاوض المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل يمرّ بمرحلة من “الغموض البنّاء”، سواء على مستوى الدولة اللبنانية أو «حزب الله» الذي يُعدّ الطرف الأكثر تأثيراً في هذا المسار. فحتى اللحظة، لم يصدر عن الحزب أو عن قياداته موقف واضح وصريح يحدّد موقفه النهائي من الطروحات المطروحة بشأن التفاوض، رغم مرور أكثر من أسبوعين على إعلان رئيس الجمهورية جوزيف عون استعداد لبنان للانخراط في عملية تفاوضية. هذا الصمت المدروس لا يعكس تردداً فحسب، بل يندرج ضمن استراتيجية مقصودة تهدف إلى كسب الوقت وتفادي الدخول في أي التزام سياسي أو تفاوضي قبل اتضاح الموقف الإسرائيلي ومدى جدّيته في الانخراط في أي مسار تفاوضي.
الموقف اللبناني في دائرة الانتظار
من جهة الدولة اللبنانية، تشير المعلومات إلى أن ثمة قبولاً ضمنياً بطرح توسيع لجنة وقف النار المعروفة بـ«الميكانيزم» لتضمّ مدنيين إلى جانب العسكريين، بحيث تتولى مهمة التفاوض غير المباشر مع إسرائيل بوساطة الأمم المتحدة أو أطراف دولية أخرى. غير أن هذا القبول لم يُترجم حتى الآن في بيان رسمي أو قرار واضح، إذ يفضل لبنان إبقاء الموقف في دائرة الانتظار حتى تتضح ملامح الموقف الإسرائيلي. فالإقدام على إعلان موقف رسمي دون وجود مؤشرات إيجابية من تل أبيب قد يُظهر لبنان في موقع ضعيف أو متسرع، وهو ما تسعى الدولة إلى تجنّبه في ظل التوازنات الداخلية الدقيقة والانقسامات السياسية الحادة.
في هذا الإطار، يبرز الدور التقليدي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يُعتبر الجسر الداخلي بين الدولة اللبنانية و«حزب الله». فبري، المعروف بعلاقته الوثيقة بالحزب وبكونه الناطق غير الرسمي باسمه في الملفات الحساسة، يمارس عملياً دور المفاوض الداخلي في هذا الملف، ويُفهم من مواقفه أن موافقته على توسيع اللجنة لتضم مدنيين تعني ضمناً موافقة الحزب. ومع ذلك، لا يبدو أن «حزب الله» يتعامل بإيجابية كبيرة مع فكرة أي تفاوض مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل، وهو ما يتجلى في المواقف المبطنة التي يعبّر عنها نواب حركة «أمل» وقياديّوها، الذين يشككون في جدوى أي تفاوض جديد بحجة أن إسرائيل لم تلتزم أصلاً باتفاق وقف النار القائم، فكيف يمكن الوثوق بأي تفاهم إضافي؟
قراءة دقيقة لموقف حزب الله
لكن القراءة الدقيقة لموقف الحزب، كما يشرحها الكاتب السياسي قاسم قصير، تكشف تمايزاً دقيقاً بين الرفض العقائدي للتفاوض المباشر، والقبول الواقعي بالتفاوض غير المباشر. فالحزب، بحسب قصير، يدرك أن التفاوض غير المباشر من خلال توسيع لجنة «الميكانيزم» قد يشكل خياراً عملياً يحفظ ماء الوجه، ويتيح له البقاء ضمن معادلة «الرفض المبدئي» للتطبيع من جهة، والمشاركة الضمنية في عملية سياسية – أمنية يمكن أن تخفف من التوتر الميداني من جهة أخرى. في الوقت نفسه، يرى الحزب أن المشكلة الجوهرية ليست في موقف لبنان، بل في موقف إسرائيل نفسها: هل هي مستعدة لوقف إطلاق النار، وللانسحاب من الأراضي المتنازع عليها، ولإطلاق الأسرى؟ أم أن هدفها هو كسب الوقت وإعادة فرض شروطها بالقوة؟
من منظور أوسع، يمكن فهم هذا الموقف المتردد للحزب على أنه نتيجة مباشرة لتراجع هامش المناورة الذي كان يتمتع به في السابق. فبحسب جاد الأخوي، المعارض الشيعي ورئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين»، ثمة مؤشرات ميدانية وسياسية تدلّ على أن الحزب لم يعارض عملياً توسيع لجنة الميكانيزم، وإن لم يعلن موافقته رسمياً. فالصيغة المقترحة، أي لجنة تقنية – أمنية – مدنية، تمنح الحزب فرصة المشاركة غير المباشرة عبر مؤسسات الدولة، ما يوفر له غطاءً رسمياً لتجنّب تهمة الجلوس مع الإسرائيليين أو كسر خطابه العقائدي المناهض للتطبيع. بهذا المعنى، فإن الحزب يجد في هذا الشكل من التفاوض مخرجاً سياسياً يجنّبه الإحراج أمام جمهوره، ويتيح له في الوقت نفسه البقاء جزءاً من العملية التفاوضية دون تحمّل كلفتها الرمزية.
تكمن المعضلة الأساسية للحزب اليوم في أن ميزان القوى الميداني لم يعد في صالحه كما كان في مراحل سابقة. فاستمرار التصعيد في الجنوب يحمل مخاطر جدّية باندلاع حرب شاملة لا يملك الحزب ترف خوضها في ظل الأزمة الاقتصادية اللبنانية والضغوط الداخلية المتنامية. لذا، فإن خيار القبول الهادئ بآلية تفاوضية تقنية – حتى لو من خلف الستار – يبدو منطقياً في ضوء حسابات البقاء. إنه خيار الضرورة الذي يوازن بين الحفاظ على العقيدة السياسية من جهة، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الميداني من جهة أخرى.
انفجار وشيك في الجنوب
من هنا، يتجلى ما يمكن تسميته بـ«الغموض البناء» في سلوك الحزب والدولة على حد سواء. فكل طرف يترك الباب موارباً أمام احتمالات متعددة: لا إعلان عن القبول ولا تصريح بالرفض، بل إدارة دقيقة للوقت والمواقف بانتظار تطورات الخارج. فالدولة اللبنانية، من خلال مؤسسة الرئاسة والجيش، تظهر كواجهة رسمية لأي تفاوض محتمل، بينما يكتفي «حزب الله» بدور المراقب الفعلي الذي يوجّه من الخلف دون أن يتحمل المسؤولية السياسية العلنية. في المقابل، تحاول إسرائيل بدورها اختبار مدى جدية لبنان في الذهاب نحو مسار تفاوضي حقيقي، فيما يسعى الوسطاء الدوليون، وخصوصاً الأميركيون، إلى الحفاظ على زخم المبادرة تفادياً لانفجار شامل في الجنوب.
يمكن القول إن لبنان يعيش اليوم مرحلة دقيقة من التوازن بين الضرورة والسيادة، بين الواقعية السياسية والالتزامات العقائدية. فـ«حزب الله» الذي طالما رفع شعار المقاومة المطلقة، يجد نفسه مضطراً إلى مقاربة أكثر براغماتية تحمي ما تبقى من نفوذه في الجنوب وتجنبه حرباً مفتوحة لا يمكنه تحملها. أما الدولة اللبنانية، فهي تحاول الاستفادة من هذا المناخ لتثبيت موقعها كمحاور رسمي أمام المجتمع الدولي، ولو بثمن «الصمت التكتيكي» الذي يجنبها الاصطدام بأي من طرفي المعادلة الداخلية. هكذا، يتقدم مسار التفاوض بخطوات بطيئة، محكومة بحسابات معقّدة ومتضاربة، في انتظار لحظة إقليمية تسمح بتحويل هذا الغموض البنّاء إلى واقع سياسي واضح المعالم.







