رغم مرور ما يقرب من عامين على اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، ومع اتساع رقعة الدمار الذي طال البنية التحتية والمؤسسات الخدمية والمدنية، لا تزال حركة حماس تكرّس ممارساتها الداخلية بعيدًا عن أولويات سكان القطاع، الذين يرزحون تحت ويلات الحصار والجوع والقصف المستمر. فبدلاً من تخصيص جهودها لما يمكن أن يخفف المعاناة الإنسانية المتفاقمة، تبدو الحركة مشغولة بإدارة منظومتها الداخلية، وتأمين الرواتب لعناصرها، عبر شبكة سرية معقدة وموارد نقدية مخزنة تحت الأرض.
دفع رواتب المسلحين
تكشف المعلومات التي أوردها تقرير نشرته شبكة “بي بي سي” البريطانية، عن استمرار حماس في دفع رواتب شهرية، ولو جزئية، لما يصل إلى ثلاثين ألف موظف حكومي تابعين لها في غزة، عبر آلية سرية قائمة على تبادل الرسائل المشفرة والتسليم اليدوي في مواقع محددة، وسط مخاطر أمنية جسيمة. هذا التنظيم المحكم في دفع رواتب عناصر الحركة، رغم الانهيار الإداري الكامل تقريبًا، يعكس مفارقة صادمة: نظام ظل يعمل بحرفية لتأمين “الولاء الداخلي”، في وقت تفكك فيه النظام الصحي، وتضعضعت الخدمات العامة، وانهار الأمن الغذائي لمليوني إنسان محاصر.
الخطير في هذا السياق، ليس مجرد استمرار دفع الرواتب رغم انعدام الموارد الرسمية، بل في كون هذه الأموال تُسحب من احتياطات ضخمة كانت مخزنة في أنفاق تحت الأرض قبل بدء الحرب، حسبما صرّح به مسؤول سابق في الحركة. هذا التخزين السري، الذي شمل مئات الملايين من الدولارات والشواكل، يكشف عن ترتيب مسبق لحماية مصالح التنظيم وعناصره، دون أن يوازيه أي تحرك مماثل لبناء منظومة حماية للمدنيين أو توفير احتياطات غذائية أو طبية للطوارئ. إنه تواطؤ مكشوف مع أولوية “البقاء السياسي”، على حساب الحياة البشرية.
حماس تكرس نهج إقصائي
ومما يزيد الصورة قتامة، الاتهامات الواسعة التي تواجهها حماس بالتمييز في توزيع المساعدات. فبينما تستمر الحركة في تقديم طرود غذائية لأعضائها وعائلاتهم، يُستثنى كثير من غير الموالين، كما تؤكد شهادات سكان، من بينهم أرامل وأمهات لأطفال يعانون الجوع. هذه الممارسات تخلق طبقة مميزة داخل المجتمع الغزّي، يتحدد وصولها للغذاء والدواء بناءً على الولاء السياسي، لا على الحاجة الإنسانية. وهكذا، تُكرّس حماس نهجًا إقصائيًا ينتهك أبسط مبادئ العدالة الاجتماعية، ويعمّق الانقسامات الأهلية في وقت يفترض فيه أن تكون الأولوية لتماسك المجتمع في وجه الحرب والحصار.
أما نوعية الرواتب، فهي في كثير من الأحيان نقود بالية وغير قابلة للتداول، كما أشار أحد المعلمين. ما يُظهر أن حتى منظومة الدفع ذاتها لا تحقق للموظف الكفاف، لكنها تستبقيه ضمن حلقة الولاء، لتضمن استمرار بنية الحكم الداخلية. هذه الممارسات تُقارن بشكل صارخ مع مشهد عام يغيب فيه الطحين عن بيوت المدنيين، ويصل فيه سعر الكيلو إلى 80 دولارًا، وسط نقص شديد في المياه والكهرباء والرعاية الصحية.
تجاهل معاناة السكان
إن هذا النمط من إدارة الأزمة، الذي تركز فيه حركة حماس على “البنية التنظيمية” وتستثني “المنظومة الوطنية”، لا يمكن وصفه إلا بتعبير واضح: تجاهل متعمد لمعاناة السكان، وتوظيف سياسي للكارثة. فبينما تواصل إسرائيل استهداف المدنيين وتدمير مؤسسات الحياة، تدير حماس ما تبقى من المال والسلطة بروح فئوية، تُعلي مصلحة التنظيم على حساب الشعب الذي يُفترض أنها تمثله.
لا يمكن تبرير هذا النموذج من السلوك السياسي والتنظيمي بأي منطق مقاوم أو أخلاقي. فالصمود لا يكون بتخزين الأموال في الأنفاق وتوزيعها على الموالين، بل ببناء مؤسسات عادلة، وضمان حد أدنى من الكرامة لكل مواطن، وتوزيع الموارد على أساس الحاجة لا الانتماء. وما لم تغيّر الحركة من نهجها، فإنها تسهم بنفسها في تعميق جراح غزة، وتفقد آخر ما تبقى لها من شرعية.






