الضفة الغربية، ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تعيش واقعًا متغيرًا جذريًا بات يُشبه الحياة داخل سجن مفتوح، أو حتى أكثر تعقيدًا من ذلك. فبدلاً من الحياة الطبيعية، باتت تفاصيل اليوم تبدأ وتنتهي على وقع “حالة الطرق”، التي لم تعد تعني الزحام أو الانسياب، بل باتت تعني حياة أو موت، اعتقال أو حرية، إذلال أو تنفس مؤقت. المواطن الفلسطيني أصبح يضبط ساعته ومواعيده ونفسيته على قرارات الجنود عند الحواجز، وهو مشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه تجسيد عملي للعقاب الجماعي، والسيطرة العسكرية الكاملة، وغياب أدنى شروط الحياة الإنسانية الطبيعية.
نية إسرائيل في تفكيك الضفة
ما يجري اليوم في الضفة ليس مجرد تضييق أمني كما تدّعي إسرائيل، بل هو عملية عسكرية يومية غير معلنة، تُدار بمنطق الاحتلال الكامل، وتُنفذ بأدوات تبدو “مدنية” كالبوابات الحديدية، لكنها تُنتج واقعًا قمعيًا شديد الوطأة. فعدد الحواجز ارتفع إلى 898، وهو رقم غير مسبوق، ويعكس نية إسرائيل في تفكيك الضفة فعليًا إلى جيوب معزولة، وفصل البلدات والقرى والمخيمات عن محيطها الجغرافي والبشري، مما يجعل فكرة “الضفة كوحدة جغرافية متصلة” شبه مستحيلة.
الانتقال من مدينة إلى أخرى أصبح مغامرة، والذهاب إلى العمل أو الجامعة أو المستشفى يتحول إلى رهان على أعصاب الجندي، ومزاجه، وأوامره المتغيرة. والحواجز لا تُغلق فقط، بل تُحوِّل المكان إلى مسرح للتفتيش والتدقيق والإهانة. الجنود اليوم ليسوا فقط من جيش نظامي، بل مزيج من القوات الخاصة والمتدينين القادمين بروح الانتقام، الذين يرون في الفلسطيني خصمًا يجب معاقبته يوميًا، وترويضه، وتذكيره دومًا بمن يملك مفاتيح البوابة.
تغييرات عميقة في سلوك الناس
من الناحية السياسية، تعكس هذه السياسات توجهًا إسرائيليًا جديدًا قديمًا، قائمًا على تعميق الاحتلال، لا إنهائه، وعلى كسر الحياة اليومية للفلسطينيين كي تصبح غير قابلة للاستمرار. الهدف ليس الأمن فقط، بل فرض واقع يجعل من فكرة الدولة الفلسطينية حلماً غير واقعي، بل حتى فكرة الحياة العادية للفلسطينيين تبدو غير قابلة للتحقق.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن هذه المنظومة من الحصار، والإغلاق، والتفتيش، والاعتقالات، تفكك النسيج المجتمعي وتُحدث تغييرات عميقة في سلوك الناس ومزاجهم العام. من يفكر في الزواج، أو السفر، أو الدراسة، أو بناء بيت، يضطر أولاً أن يسأل عن الطريق، وعن الحاجز، وعن مزاج الجندي. لقد أصبحت الحواجز سلطة أعلى من القانون، وأعلى من المؤسسات، وهي تُعيد تشكيل الحياة والهوية بطريقة خطيرة.
تحويل الأرض إلى زنازين مفتوحة
الضفة الغربية اليوم تُسحق يوميًا تحت وطأة هذا الاحتلال، وتُختنق ببطء. ما تفعله إسرائيل لا يمكن فصله عن مشروع الضمّ الزاحف، ولا عن محاولة تصفية فكرة “الكيان الفلسطيني المتصل” من خلال التجزئة الجغرافية والنفسية. والمجتمع الدولي، إن لم يرَ في هذه السياسات أكثر من مجرد تدابير أمنية، فإنه شريك في الجريمة المستمرة، ضد شعب يُحرم حتى من التنقل داخل أرضه، أو العبور إلى قريته، أو فتح بوابة لامرأة دون أن يُقتل برصاص الاحتلال.
الضفة، باختصار، ليست فقط تحت الاحتلال؛ بل أصبحت مختبرًا لتجريب أدوات السيطرة الكاملة، وتحويل الأرض إلى شبكة من الزنازين المفتوحة، فيها الهواء يُمنح بالتصريح، والحركة تُقاس بتقارير الجيش، والكرامة تُسحق باسم “الأمن”.




