تمثل الجريمة التي شهدتها بلدة زيدل في ريف حمص، والتي راح ضحيتها رجل وزوجته وسط عبارات كتبت في موقع الحادثة تتضمن إيحاءات طائفية، نموذجاً خطيراً لمحاولات إحياء الانقسامات المجتمعية التي أثقلت سوريا على مدار أكثر من عقد. وعلى الرغم من أن وزارة الداخلية السورية أكدت عدم وجود دليل مادي يثبت الطابع الطائفي للجريمة، وأن العبارات كتبت بهدف التضليل، فإن الوقائع التي تلت الحادثة تكشف هشاشة النسيج الاجتماعي في بعض المناطق، وسرعة تأثّر الرأي العام بأي شرارة من شأنها إعادة إحياء الصدع الطائفي، وفي الوقت ذاته تكشف حساسية هذه الورقة في السياق السوري المعقد.
مواجهات محلية تهدد الاستقرار الهش
تشير حالة التوتر التي شهدتها حمص عقب الجريمة، وفرض حظر التجول في أحياء واسعة منها، إلى إدراك رسمي بأن أي حادثة من هذا النوع يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى أزمة أمنية واجتماعية واسعة النطاق. فحمص ليست مدينة عادية في الذاكرة السورية؛ بل تُعد إحدى النقاط الأكثر حساسية في تاريخ الصراع السوري، نظراً لما شهدته خلال الأعوام الأولى من الحرب، وما ترتّب عليها من تغييرات ديموغرافية ومواجهات ذات طابع مجتمعي. وحتى بعد مرور سنوات على انتهاء المعارك، لا تزال المدينة تحمل ندوب مرحلة طويلة من الانقسام، ما يجعلها أرضاً رخوة أمام أي محاولة لتحريك خطاب الفتنة مجدداً.
لقد أظهر الانتشار الأمني الكثيف في شوارع حمص واستنفار الجيش والشرطة، أن المؤسسات الرسمية باتت تتعامل مع الجرائم ذات الطابع الطائفي بوصفها تهديداً مباشراً للأمن الوطني، لا مجرد حوادث جنائية. اتخاذ قرار بفرض حظر تجول في نحو 13 حياً في المدينة يعكس خشية من امتداد التوتر ووقوع أعمال انتقامية، وهو ما قد يعيد إنتاج مواجهات محلية تهدد الاستقرار الهش في حمص وفي مناطق أخرى. مثل هذه الإجراءات، رغم كلفتها الاجتماعية، تشير إلى تقدير خطورة الموقف وإلى رغبة في منع انتقال الأزمة إلى مرحلة يصعب احتواؤها.
انقسام طائفي يقوض الاستقرار
وفي مقابل الحذر الرسمي، أظهرت منصات التواصل الاجتماعي في سوريا جانباً آخر من المشهد. فالتفاعلات التي أعقبت الجريمة انقسمت بين من رأى في طريقة تعامل الحكومة تطويقاً سريعاً للفتنة، وبين من اعتبر أن الأحداث تُستغل سياسياً لتوجيه الرأي العام. هذا الانقسام يعكس تشككاً عاماً في حقيقة دوافع أي جريمة تُلبس ثوب الطائفية، ويشير إلى أن السوريين باتوا أكثر وعياً في قراءة الأحداث، وأكثر إدراكاً لخطورة الانجرار خلف العنف المتبادل. ومع ذلك، فإن مجرد انتشار مثل هذه النقاشات يكشف هشاشة الجدار النفسي لدى المجتمع، واستعداد شرائح واسعة للتفاعل سريعاً مع أي إشارة طائفية، حتى لو كانت مفبركة أو موجهة.
إن خطورة الجرائم الطائفية في سوريا لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة على الأمن العام، بل في كونها أدوات قابلة للاستخدام في الصراعات الإقليمية والداخلية على حد سواء. فالسنوات الماضية كشفت أن الطائفية كانت إحدى أهم الآليات التي استخدمتها أطراف متعددة داخل سوريا وخارجها لإدارة الصراع، وتوجيه الجماعات المسلحة، وإعادة تشكيل الولاءات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن ساحات القتال الرئيسية قد هدأت، فإن البنية التي استندت إلى الانقسام الطائفي لم تختفِ بالكامل، بل ظلت كامنة في خلفية المشهد، تنتظر محفزاً يعيد تنشيطها. ومن هنا تأتي خطورة الجرائم التي يُراد لها أن تُقرأ بوصفها طائفية، حتى لو لم تكن كذلك في الأصل.
إشعال الصراع الأهلي
تزداد خطورة هذه الأحداث عندما توضع في سياق الوضع الأمني والاقتصادي المتدهور في البلاد، حيث تعاني شرائح واسعة من السوريين من الفقر والبطالة وغياب الخدمات، وهو وضع يوفر بيئة خصبة لانتشار الشائعات وتضخيم الأحداث. وفي ظل هذا المناخ، تصبح الجريمة الجنائية قابلة للتحول إلى قضية سياسية أو طائفية، وتصبح أي حادثة محلية مادة لإثارة الرأي العام. كثير من النشطاء السوريين أشاروا في تعليقاتهم إلى أن الجريمة في حمص تحمل كل مؤشرات محاولة متعمدة لإغراق المدينة في دوامة التوتر وإعادة استحضار خطاب التعبئة الطائفية الذي دفع السوريون ثمناً باهظاً له.
في المقابل، أظهر جزء من التعليقات الشعبية وعياً لافتاً بخطورة الانجرار وراء الرواية الطائفية للجريمة. فقد دعا كثيرون إلى ضبط النفس وعدم السماح للأحداث بأن تتحول إلى وقود للفتنة، معتبرين أن السوريين تجاوزوا مرحلة الانقسامات وأن الجريمة لا يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة إشعال الصراع الأهلي. هذا الوعي هو ما تراهن عليه السلطات السورية في مثل هذه الحالات، إذ إن قوة الدولة وحدها لا تكفي لمنع تفجر الأوضاع إذا لم تتوافر إرادة اجتماعية واسعة لرفض الانزلاق إلى الفوضى.
بالنسبة لدمشق، تمثل الجرائم ذات الطابع الطائفي تحدياً مضاعفاً، فهي من جهة تهدد الاستقرار الداخلي للعاصمة التي حافظت على تماسك اجتماعي نسبي خلال سنوات الحرب، ومن جهة أخرى قد تؤثر على ملف العلاقات الإقليمية ومسار إعادة دمج سوريا عربياً. فالعاصمة السورية تعتمد بشكل أساسي على هدوئها الأمني وسيطرتها على محيطها لتقديم صورة الاستقرار التي تحتاجها لاستقطاب الاستثمارات، وإعادة تطبيع العلاقات السياسية، والتفاوض على برامج إعادة الإعمار. أي خلل في الجبهة الداخلية، خصوصاً إذا كان ذا صبغة طائفية، يمكن أن ينعكس مباشرة على حسابات دمشق في الإقليم.
خطورة انتشار الفتنة
إضافة إلى ذلك، فإن دمشق تدرك أن الطائفية كانت ولا تزال إحدى أهم الأوراق التي تستخدمها قوى خارجية للتأثير في الوضع السوري. ومن هنا فإن أي حادثة تحمل هذا الطابع يمكن أن تُستغل في الحملات الإعلامية أو في فتح ملفات قديمة عن الانقسامات المجتمعية في سوريا. ورغم أن العاصمة بقيت إلى حد كبير بمنأى عن أسوأ مظاهر الانقسام، فإنها ليست محصّنة تماماً أمام محاولات إشعال التوترات، إذ تضم تنوعاً سكانياً واسعاً، وتستقبل أعداداً كبيرة من النازحين، ما يجعلها أكثر حساسية لأي حدث يستهدف السلم الأهلي.
إن خطورة الجرائم ذات الطابع الطائفي على استقرار دمشق تكمن في قدرتها على الانتشار السريع، فالعاصمة، بحكم دورها السياسي والإداري، تتأثر بما يحدث في المحافظات الأخرى، وحمص تحديداً لها تأثير رمزي كبير على المزاج العام في البلاد. ففي حال تحولت حادثة زيدل إلى أزمة طائفية حقيقية، يمكن أن تمتد آثارها إلى العاصمة من خلال الخطاب الإعلامي، أو عبر تحركات شعبية محدودة قد تتوسع، الأمر الذي يشكل تحدياً أمنياً للحكومة. ومن هنا يأتي تشدد المؤسسات الأمنية في التعامل الاستباقي مع مثل هذه الجرائم، إذ إن منع انتشار الفتنة هو السبيل الوحيد للحفاظ على الاستقرار في دمشق وسوريا عموماً.
إعادة بناء الثقة بين المجتمعات المحلية
من ناحية أخرى، تبرز الحاجة إلى مقاربة وطنية شاملة للتعامل مع هذا النوع من الجرائم، تتضمن بعداً أمنياً وقضائياً واجتماعياً وثقافياً. فالاكتفاء بالإجراءات الأمنية قد يمنع الانفجار الآني، لكنه لا يعالج الجذور التي تغذي احتمالات التوتر. ويتطلب الأمر تعزيز ثقافة المواطنة، ومعالجة آثار الحرب على العلاقات بين المكونات الاجتماعية، وإطلاق برامج لإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المحلية. كما يستدعي دوراً أكبر للمؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية في مواجهة خطاب التعبئة الطائفية وبناء سردية وطنية جامعة.
تمثل جريمة حمص الأخيرة إنذاراً جديداً بأن سوريا لم تتجاوز بعد خطر عودة الطائفية، وأن الطريق نحو السلم الأهلي لا يزال يحتاج إلى مقاربات عميقة تتجاوز البعد الأمني. وفي الوقت الذي تسعى فيه دمشق إلى تثبيت الاستقرار وإعادة التموضع إقليمياً، تأتي مثل هذه الأحداث لتذكّر بأن هشاشة النسيج الاجتماعي لا تزال تشكل تهديداً جدياً، وأن الحفاظ على استقرار العاصمة يمرّ بالضرورة عبر منع أي امتداد للتوترات الطائفية في المدن الأخرى. إن بناء سوريا ما بعد الحرب يتطلب وعياً مجتمعياً ومؤسساتياً بأن الفتنة ليست مجرد احتمال، بل مشروع جاهز للاستثمار من قبل أطراف كثيرة، وأن مواجهته تبدأ من الوعي الشعبي قبل أي إجراء رسمي.







