في قلب خيمة صغيرة بمواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، يتجسّد مشهد المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون منذ اندلاع الحرب، وتحديداً من زاوية أقل تداولاً لكنها الأشد فتكاً: مجاعة الأطفال وسوء التغذية. الطفلة شام قديح، التي لم تكمل عامها الثاني، ليست سوى واحدة من آلاف الضحايا الصامتين، الذين تحاصرهم ندرة الغذاء، وشح الدواء، وانهيار المنظومة الصحية. حالة شام لا تعبّر فقط عن أزمة صحية، بل عن جريمة إنسانية تتفاقم بصمت وسط صمت دولي ثقيل.
تعاني شام من سوء تغذية حاد وتضخّم في الكبد، في ظل غياب الحليب والعلاجات الأساسية، بينما تحاول والدتها المستميتة الحفاظ على حياتها بإمكانيات لا تكفي حتى لتأمين ماءٍ بارد في صيف غزة الملتهب. وتروي الأم تفاصيل تفتت القلب عن عجزها في توفير أبسط مقومات الحياة، وارتجافها كل مرة تضطر فيها إلى تحريك طفلتها داخل الخيمة، خوفاً من كسر عظام صدرها البارزة.
تصعيد نوعي في معاناة السكان
المشهد ذاته يتكرر في حالة الطفلة ولاء جودة، البالغة من العمر ست سنوات، والتي باتت لا تقوى على الوقوف أو المضغ، بعد أن تساقط شعرها وأسنانها نتيجة نقص التغذية. تذيب والدتها الخبز في الماء كي تتمكن من إطعامها، بينما تتسول الطحين من الجيران. وتكشف كلماتها المنكسرة عن مدى التحول الذي أصاب المجتمع الغزي، من مجتمع مقاوم ومتماسك، إلى مجتمع يتنازع فتات المساعدات في ظل الحصار والتجويع.
وفق بيانات وزارة الصحة، بلغ عدد الوفيات الناجمة عن سوء التغذية منذ بداية الحرب 154 حالة، من بينها 89 طفلاً، معظمهم توفوا في يوليو وحده، وهو أعلى رقم شهري منذ اندلاع الحرب. وتشير هذه الأرقام إلى تصعيد نوعي في معاناة السكان، مع انتشار حالات سوء تغذية حاد وشامل، وتهديد مباشر لحياة أكثر من 260 ألف طفل دون سن الخامسة، إضافة إلى عشرات الآلاف من الحوامل والمسنين والمرضى والجرحى.
انهيار شامل للبنية التحتية الطبية
هذه الكارثة لم تأتِ فجأة، بل هي نتاج مباشر لحصار طويل الأمد، اشتدّ بفعل الحرب ومنع دخول المساعدات الغذائية والطبية عبر المعابر. تحذيرات المؤسسات الدولية تتصاعد منذ أشهر، إذ أشار برنامج الأغذية العالمي إلى تضاعف معدلات سوء التغذية بين الأطفال، فيما أعلنت وكالة «الأونروا» عن تسجيل أكثر من 5500 حالة من سوء التغذية الحاد الشامل في فترة قصيرة. أما التصنيف المرحلي للأمن الغذائي الصادر عن الأمم المتحدة، فأكد أن “أسوأ سيناريو مجاعة” يتحقق الآن بالفعل في غزة، مع تعذّر الاستجابة الإنسانية الفاعلة بسبب عوائق الاحتلال، واختزال الدعم الدولي في إسقاط مساعدات جوية محدودة لا تكفي لوقف التدهور.
الأطباء المحليون، مثل الدكتور أحمد الفرا، يؤكدون بدورهم أن المنظومة الطبية غير قادرة على إنقاذ أرواح الأطفال الذين يعانون سوء التغذية، لا بسبب ضعف الكادر البشري، بل بسبب انعدام الأدوية والمكملات الغذائية الأساسية، وحتى الكهرباء لتبريد العلاجات إن توفرت. هذه الاعترافات القادمة من قلب المستشفيات تكشف حقيقة أن ما يجري ليس مجرد أزمة إنسانية عارضة، بل انهيار شامل للبنية التحتية الطبية، في سياق حصار ممنهج يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
تعثر إدخال المساعدات البرية
النداءات التي تطلقها الأمهات مثل “أم شام” و”أم ولاء” ليست مجرد صرخات شخصية، بل تمثل صرخة مجتمع يُذبح ببطء تحت أنظار العالم. إن مشهد الأطفال الذين تتساقط أسنانهم وتبرز عظامهم، أو أولئك الذين يُحملون جثثاً صغيرة على الأكتاف، يجب أن يوقظ الضمير العالمي إن كان لا يزال حيّاً. فما يحدث في غزة اليوم لم يعد بحاجة إلى وصفات دبلوماسية، بل إلى تدخل عاجل وفاعل يوقف المجزرة الصامتة.
إن استمرار هذه المجاعة في ظل تعثر إدخال المساعدات البرية، وانعدام الإرادة السياسية لتأمين ممرات آمنة، يعني ببساطة أن المجتمع الدولي قرر ترك غزة وحدها في مواجهة الموت البطيء. فالطفلة شام قديح لا تموت فقط من الجوع، بل من التخاذل السياسي، ومن عالم لم يعد يرى الأطفال الذين يذوون في الخيام كأرواح تستحق الحياة.






