بعد أربع سنوات على انطلاق الهجوم الروسي واسع النطاق على أوكرانيا، يعود خطاب الكرملين ليؤكد أن ما تسميه موسكو “العملية العسكرية الخاصة” لم تبلغ بعد غاياتها النهائية. التصريحات الصادرة عن المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، جاءت ردًا مباشرًا على كلام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي اعتبر أن روسيا فشلت في تحقيق أهدافها من الحرب. هذا التراشق اللفظي يعكس، في جوهره، صراعًا على الرواية بقدر ما يعكس صراعًا على الأرض، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت سرديته أمام جمهوره الداخلي وحلفائه الخارجيين.
يُظهر إصرار الكرملين على استمرار العمليات العسكرية أن موسكو لا ترى في الوضع الميداني الراهن ترجمة كاملة لأهدافها الاستراتيجية المعلنة، أو لتلك غير المعلنة. فحين يشير بيسكوف إلى أن “العديد” من الأهداف قد تحققت، مقابل التأكيد على أن الهدف الرئيسي يتمثل في “ضمان سلامة السكان في شرق أوكرانيا”، فإن ذلك يشي بمحاولة إعادة صياغة سقف التوقعات السياسية للحرب. فبعد سنوات من القتال المكلف بشريًا واقتصاديًا، لم يعد الحديث عن حسم سريع أو تغيير جذري في المعادلة الجيوسياسية ممكنًا بالسهولة التي رُوّج لها في البدايات، ما يدفع موسكو إلى تأطير استمرار الحرب بوصفه ضرورة أمنية طويلة الأمد لا خيارًا ظرفيًا.
في المقابل، يحاول زيلينسكي تثبيت رواية مضادة تقوم على نزع شرعية “الإنجاز” عن الخطاب الروسي. فإصراره على أن بوتين لم يحقق غاياته، وأن أوكرانيا صمدت ولم تُكسر إرادتها، يتجاوز البعد المعنوي الداخلي ليخاطب العواصم الغربية التي يراهن عليها في استمرار الدعم العسكري والسياسي. خطاب الصمود هنا ليس مجرد رسالة تعبئة، بل جزء من معركة سياسية تهدف إلى الحفاظ على الزخم الدولي حول القضية الأوكرانية في وقت تتراجع فيه الأولويات لدى بعض الحلفاء تحت ضغط أزمات عالمية أخرى.
زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية إلى كييف في ذكرى اندلاع الحرب تحمل بدورها دلالات تتجاوز البعد الرمزي. فالإصرار الأوروبي على الحضور السياسي والميداني في هذا التوقيت يعكس رغبة في التأكيد على أن الحرب في أوكرانيا لم تتحول إلى “نزاع منسي”، رغم طول أمدها وتكلفتها. كما أن المشاركة في اجتماعات تنسيقية مع القيادة الأوكرانية وحلفاء كييف تهدف إلى إعادة تثبيت شبكة الدعم الغربي، في لحظة يشهد فيها الداخل الأوروبي نقاشات متزايدة حول كلفة المواجهة مع روسيا وانعكاساتها الاقتصادية والأمنية.
غير أن ما يميّز المرحلة الحالية من الحرب هو انتقالها من منطق الحسم السريع إلى منطق الاستنزاف طويل الأمد. فالمعارك المتقطعة، والتقدم المحدود هنا أو التراجع التكتيكي هناك، لم تعد تُترجم تحولات استراتيجية حاسمة لأي من الطرفين. وفي ظل هذا الجمود النسبي، يصبح الخطاب السياسي أداة لتعويض غياب الإنجاز الميداني الكبير، سواء عبر تأكيد الكرملين أن أهدافه لم تكتمل بعد لتبرير استمرار العمليات، أو عبر تشديد كييف على أن موسكو فشلت في تحقيق غاياتها لتثبيت صورة الصمود والانتصار المعنوي.
هذا الواقع يعكس مأزقًا مزدوجًا. فروسيا، رغم قدرتها على الاستمرار عسكريًا، تواجه كلفة اقتصادية وعزلة سياسية متراكمة، تجعل أي حديث عن نصر حاسم محفوفًا بالتناقضات. وأوكرانيا، رغم صمودها، تجد نفسها رهينة استمرار الدعم الغربي في حرب استنزاف طويلة، تتآكل فيها الموارد وتتعقد الحسابات السياسية مع مرور الوقت. وبين هذين المأزقين، تبدو فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة محدودة، في ظل فشل المسارات التفاوضية السابقة وعدم توافر مؤشرات جدية على استعداد أي من الطرفين لتقديم تنازلات جوهرية.
في المحصلة، يكشف الجدل حول “تحقق الأهداف” أو عدمه عن حقيقة أعمق: الحرب في أوكرانيا لم تعد صراعًا على الأرض فقط، بل أصبحت معركة سرديات حول معنى النصر والهزيمة وحدود الممكن سياسيًا وعسكريًا. ومع استمرار الاستنزاف وتراكم الكلفة الإنسانية والجيوسياسية، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان أي من الطرفين قادرًا فعليًا على ترجمة خطابه السياسي إلى تغيير استراتيجي حاسم على الأرض، أم أن الصراع دخل مرحلة طويلة من التوازن الهش بين القوة والعجز.






