تواصل فرق الدفاع المدني السوري، لليوم الرابع على التوالي، محاولاتها المضنية للسيطرة على سلسلة من الحرائق المشتعلة في غابات وأحراج ريف محافظة اللاذقية على الساحل الغربي لسوريا، في وقت وصلت فيه تعزيزات إطفاء أردنية إلى المنطقة، وسط حالة إنذار بيئي وإنساني متصاعدة، ووسط ظروف ميدانية بالغة الصعوبة تشمل تضاريس وعرة، وطقسًا جافًا، ورياحًا قوية، إضافة إلى مخلفات الحرب التي تهدد سلامة الفرق الميدانية.
دعم أردني مباشر وجهود إقليمية متصاعدة
في استجابة سريعة لحجم الكارثة، دخلت فرق الدفاع المدني الأردني الأراضي السورية عبر معبر نصيب الحدودي بمحافظة درعا صباح الأحد، متوجهة فورًا نحو المناطق المتضررة في ريف اللاذقية للمشاركة في عمليات الإطفاء. وتضم البعثة الأردنية فرقًا متخصصة ومزودة بمعدات حديثة لمكافحة الحرائق، بما في ذلك عربات إطفاء ومركبات دعم لوجستي.
وجاء هذا التحرك الأردني بعد تدخل مماثل من الجانب التركي، الذي أرسل طائرتين مروحيتين و11 آلية إطفاء لتعزيز جهود الدفاع المدني السوري. ويُنظر إلى هذا الدعم الإقليمي على أنه إشارة واضحة إلى تفاقم الأوضاع في الساحل السوري، وحاجة البلاد إلى مساندة خارجية في مواجهة كارثة تتجاوز إمكاناتها الذاتية.
غرفة عمليات ميدانية وتنسيق أممي
في محاولة لتوحيد الجهود، أعلنت وزارة الطوارئ السورية إنشاء غرفة عمليات ميدانية مشتركة تضم منظمات محلية وعددًا من الشركاء الدوليين، بهدف تنسيق المهام الميدانية وتقديم الدعم اللوجستي للفرق المنتشرة على الأرض. وبدأت الغرفة فعليًا بتأمين ناقلات مياه، وتنظيم فرق تطوعية مدربة على مكافحة الحرائق، فضلًا عن توفير معدات ثقيلة تستخدم لفتح خطوط نارية تهدف إلى احتواء انتشار اللهب.
في الوقت نفسه، دخلت فرق تابعة للأمم المتحدة على خط الاستجابة، حيث بدأت بتنفيذ تقييمات عاجلة لتحديد حجم الأضرار واحتياجات المجتمعات المتضررة. وعبّر ممثلو الأمم المتحدة عن تضامنهم مع السكان المحليين، مؤكدين التزام المنظمة الدولية بتقديم الدعم الإنساني في أسرع وقت ممكن.
حرائق خارج السيطرة… والتضاريس تصعّب المواجهة
تشهد محافظة اللاذقية، منذ أيام، حرائق ضخمة وغير مسبوقة تلتهم مساحات شاسعة من الغابات والأراضي الزراعية. وقد فاقمت الرياح القوية ووعورة التضاريس من تعقيد مهمة فرق الإطفاء، بينما تعرقل مخلفات الحرب – ومنها ألغام وذخائر غير منفجرة – عمليات الوصول إلى بعض المناطق الملتهبة، مما يزيد من المخاطر المحدقة بالفرق الميدانية.
وبحسب مصادر الدفاع المدني، فإن أكثر من 60 فرقة إطفاء تعمل حاليًا في مختلف المحاور، وسط ظروف مرهقة وصعبة. وقد أصيب عدد من أفراد الطواقم بجروح أثناء محاولاتهم الوصول إلى بؤر النيران في مناطق نائية، الأمر الذي استدعى تنفيذ عمليات إخلاء لعدد من القرى المجاورة للحريق.
نداءات دولية وتحذيرات بيئية
مع تفاقم الوضع، أطلقت نائبة مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا نداءً عبر منصات التواصل، دعت فيه إلى تحرّك دولي عاجل لدعم جهود إخماد الحرائق، مشيرة إلى أن سوريا لا تملك الموارد الكافية لمواجهة كارثة بهذا الحجم.
وفي بيان آخر، أكّد منسق الأمم المتحدة المقيم في سوريا أن فرق الأمم المتحدة تعمل على الأرض لتقييم الأضرار وتقديم المساعدة الإنسانية الفورية، مضيفًا أن “قلوبنا مع أهل اللاذقية في هذا الظرف العصيب”.
أزمة مناخية وتداعيات ممتدة للنزاع
تأتي هذه الحرائق في سياق بيئي مقلق تعانيه سوريا منذ سنوات، في ظل تغيرات مناخية متطرفة، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار. وقد أظهرت تقارير أممية، أبرزها صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة، أن سوريا لم تشهد ظروفًا مناخية بهذا السوء منذ ستة عقود، وسط تحذيرات من خطر انعدام الأمن الغذائي الذي قد يهدد أكثر من 16 مليون سوري.
في المقابل، تعكس هذه الكارثة البيئية أيضًا عمق تداعيات النزاع المسلح الذي استمر أكثر من عقد من الزمن، حيث تسببت الحرب في تدمير البنية التحتية، وترك خلفها مساحات شاسعة ملوثة بمخلفات متفجرة، ما يزيد من صعوبة أي استجابة طارئة أو تدخل إنساني سريع.
استنفار محلي في بلد منهك
ورغم التحرك الدولي، تبقى قدرة الدولة السورية على مواجهة الكارثة محدودة، في ظل ضعف الإمكانات وغياب الجاهزية التقنية اللازمة للتعامل مع حرائق بهذا الحجم. وتُعد اللاذقية من المناطق الغنية بالغابات والأراضي الحرجية، وقد تسببت الحرائق في تدمير مساحات كبيرة منها، ما يهدد النظام البيئي في الساحل السوري ويؤثر على سبل عيش مئات العائلات التي تعتمد على الزراعة والحراجة.
ويصف السكان المحليون الوضع بـ”الكارثي”، معربين عن قلقهم من اتساع رقعة الحرائق أكثر إذا لم يتم توفير دعم دولي واسع النطاق، يشمل طائرات متخصصة ومعدات متطورة.
إلى أين تتجه الأزمة؟
في ظل الرياح المستمرة، والتضاريس الجبلية، وغياب البنية التحتية الوقائية، تبدو مهمة إخماد حرائق اللاذقية بعيدة عن الحل السريع، ما لم يتم استدعاء دعم دولي أوسع. وتدور تساؤلات كبيرة حول قدرة البلاد على الاستجابة لمثل هذه الكوارث في غياب خطط وقاية وطنية فعالة، وبقاء المؤسسات العامة في حالة شلل هيكلي بعد سنوات طويلة من النزاع.
وبينما يتصاعد الدخان في سماء الساحل السوري، يظل الأمل معقودًا على سرعة التنسيق الدولي، ومواصلة إرسال الدعم اللوجستي والفني، قبل أن تتحول النيران المشتعلة إلى نقطة سوداء جديدة في سجل الأزمات السورية المتلاحقة.






