تكتسب زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن أهمية نادرة في مسار الشرق الأوسط، إذ أن لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقرّ البيت الأبيض تمثّل أول زيارة رسمية لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة منذ استقلال البلاد في عام 1946. The Guardian+2Le Monde.fr+2 ما يجعل هذا الحدث نقطة تحول محتملة في العلاقات الأميركية-السورية، وفي التوازنات الإقليمية بمثابة «لحظة إعادة ضبط» للعلاقات التي كانت لعقود منقطعة أو حدّية.
يبقى اللقاء محمّلاً برسائل رمزية وسياسية أكثر من كونه مجرد تبادل لزيارات دبلوماسية. ومن المتوقع أن تشمل أجندته عدداً من القضايا الخطيرة: من رفع العقوبات الأميركية إلى الدور السوري في الملف الأمني الإقليمي، ومن إعادة الإعمار إلى التحالفات الجديدة التي تهدّد ما كان قائماً خلال عقد كامل من الصراع.
في هذا التقرير الصحفي، نعرض خلفية هذا اللقاء، وقضاياه المركزية، ثم نحلّل ما تعنيه هذه الخطوة بالنسبة لسوريا، للولايات المتحدة، وللمنطقة.
خلفية اللقاء: السياق السوري-الأميركي
منذ أواخر عام 2024، وبعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، تولّى أحمد الشرع قيادة البلاد في ظلّ تحولات سريعة: كان زعيماً لمجموعة مقاتلة إسلامية، ثم أصبح رئيساً في حكومة انتقالية. وقد شهدت البلاد في هذه الفترة تحوّلات جوهرية في التحالفات والخارطة الجيوسياسية.
وبينما كانت سوريا على هامش العلاقات الدولية لعقود، بدأت واشنطن تعديل سياساتها، وأعلنت في مايو/أيار 2025 عن نيتها رفع العقوبات عن دمشق، قائلة إن العقوبات «قدّمت وظيفتها» وإن البلاد تحتاج إلى «فرصة للتألق». Holland & Knight+2ODI: Think change+2 وفي 30 يونيو/حزيران 2025 أصدر ترمب أمراً تنفيذياً قضى بإنهاء معظم برنامج العقوبات الأميركية على سوريا، مع استثناءات محدّدة. The White House+1
لكن العقبة الأساسية التي لا تزال قائمة هي قانون «قيصر» الأميركي (قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين – Caesar Syria Civilian Protection Act) الذي أُقرّ عام 2019، ويستلزم رفعه موافقة من الكونغرس الأميركي، ما يجعل إلغاءه عملية معقّدة. Arab Center Washington DC+1
زيارة الشرع إلى واشنطن تأتي في هذا الإطار، إذ يُنظر إليها كخطوة رمزية لتعميق الانفتاح السوري – الأميركي، والتوجّه نحو مرحلة ما بعد العقوبات والعزلة. Le Monde.fr+1
قضايا اللقاء: ما على الطاولة؟
زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض لا تُختزل في بعدها البروتوكولي، بل تأتي محمّلة بملفات ثقيلة تتجاوز العلاقات الثنائية إلى إعادة رسم معالم الشرق الأوسط. فخلف الصور الرسمية والابتسامات المتبادلة، ثمّة أجندة دقيقة ستحدّد شكل العلاقة بين دمشق وواشنطن، وربما طبيعة التوازنات في المنطقة لسنوات مقبلة.
1. العقوبات وإعادة الإعمار: الاقتصاد كمدخل للسياسة
يُعدّ ملف العقوبات الأميركية على سوريا البند الأكثر حساسية في اللقاء. فمنذ إقرار «قانون قيصر» عام 2019، يعيش الاقتصاد السوري تحت ضغط خانق أثّر على كل مفاصل الدولة من العملة إلى الخدمات العامة. ومع تولّي الشرع الحكم، حاولت دمشق إعادة تنشيط اقتصادها عبر تحفيز التجارة مع تركيا والخليج، لكنها اصطدمت بجدار القيود الأميركية التي تمنع التحويلات والاستثمار الأجنبي.
الولايات المتحدة، من جهتها، تجد نفسها أمام معادلة صعبة: رفع العقوبات قد يُنظر إليه كـ«مكافأة مبكرة» لحكومة لم تختبر بعد، فيما الإبقاء عليها يعيق مسار الاستقرار الذي تطمح واشنطن لرؤيته. لذا، يُتوقع أن يتم التوصل إلى تخفيف تدريجي مشروط للعقوبات، مرتبط بخطوات سورية ملموسة تتعلق بحقوق الإنسان ومكافحة الفساد وضبط العلاقة مع إيران.
وراء هذا الملف، يكمن البعد الأهم: إعادة الإعمار. فالمؤسسات الدولية تقدّر الكلفة الإجمالية بأكثر من 216 مليار دولار، في حين لا تملك دمشق سوى موارد محدودة. الشرع يسعى للحصول على ضمانات أميركية وغربية لإطلاق مشاريع تمويلية عبر البنك الدولي وصندوق النقد، مع تشجيع استثمارات خليجية. وإذا تحقق ذلك، فسيكون اللقاء بوابة لعودة سوريا إلى الدورة الاقتصادية العالمية بعد أكثر من عقد من الانكماش والعزلة.
2. الأمن ومكافحة الإرهاب: من “الملف السوري” إلى “الشريك الأمني”
الشق الأمني سيكون العمود الفقري للمحادثات، إذ تسعى واشنطن لاختبار مدى استعداد دمشق للانخراط في تحالف أمني جديد يضم دولاً عربية وغربية في مواجهة التهديدات المتبقية لتنظيم داعش والشبكات الجهادية.
بحسب التسريبات، تدرس الولايات المتحدة إنشاء وجود عسكري رمزي في قاعدة جوية قرب دمشق لتنسيق الجهود ضد التنظيم، مع إبقاء القيادة الميدانية في أيدي السوريين. بالنسبة للشرع، فإن قبول مثل هذا التعاون يشكل تحولاً جذرياً في العقيدة السياسية للنظام الجديد، الذي كان قبل عام واحد فقط يقاتل القوات الأميركية في الشمال الشرقي.
غير أن التعاون الأمني لا يخلو من التعقيدات: فدخول دمشق في هذا التحالف يعني ضمنياً التزاماً بضبط الحدود مع العراق ولبنان، وتقليص النفوذ الإيراني في الجنوب، وهي شروط قد تُثير حفيظة طهران. ومع ذلك، فإن الشرع يدرك أن الشرعية الدولية لا تُكتسب بالخطابات بل بالشراكة الأمنية، وأن المشاركة في الحرب ضد داعش قد تمنحه ما عجزت عنه الحملات الدبلوماسية: اعترافاً فعلياً بسلطته الجديدة.
3. التوازنات الإقليمية: شرق أوسط يُعاد ترتيبه
ربما يكون هذا البند الأكثر استراتيجية في أجندة اللقاء. فزيارة الشرع إلى واشنطن تأتي في لحظة تبدّل واسعة في موازين القوى الإقليمية. سوريا الجديدة لم تعد تدور في الفلك الروسي – الإيراني كما كانت في عهد الأسد، بل تتجه نحو محور براغماتي جديد يجمعها بتركيا والخليج والولايات المتحدة.
هذا التحول يثير سلسلة من التفاعلات:
-
إيران ترى في التقارب السوري – الأميركي تهديداً مباشراً لنفوذها الذي بنته خلال عقد من الحرب، وقد تسعى لتعطيله عبر وكلائها في الميدان.
-
روسيا تشعر بأن واشنطن تستعيد الملف السوري الذي كان أحد أبرز إنجازات الكرملين الدبلوماسية، ما قد يدفع موسكو إلى إعادة تقييم وجودها العسكري في الساحل السوري.
-
تركيا تنظر ببراغماتية إلى التطورات، فأنقرة ترى في انفتاح دمشق على واشنطن فرصة لترتيب ملف الحدود الشمالية واحتواء القوى الكردية.
-
الخليج، من جهته، يسعى إلى استثمار هذه الانعطافة التاريخية لإطلاق مشاريع إعمار ضخمة وإعادة سوريا إلى “الحضن العربي” سياسياً واقتصادياً.
أما إسرائيل فتتابع المشهد بكثير من الحذر، إذ تخشى أن تتحول واشنطن إلى وسيط مباشر بين دمشق وتل أبيب في إطار تفاهمات أمنية غير معلنة. ومع ذلك، قد ترى تل أبيب في استقرار النظام الجديد وسيلة لاحتواء أي فوضى على حدود الجولان.
في المحصلة، لا تقتصر الزيارة على فتح صفحة جديدة بين دمشق وواشنطن، بل ترسم ملامح خريطة تحالفات جديدة في الشرق الأوسط، حيث تحاول كل دولة إعادة تموضعها في ظل تراجع النفوذ الروسي والإيراني وصعود الدبلوماسية الأميركية مجدداً.
تحليل: ماذا يعني هذا اللقاء؟
أولاً: لسوريا – من دولة معزولة إلى شريك محتمل
تمثل زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض لحظة نادرة في التاريخ السوري الحديث. فبعد أكثر من عقد من الحصار والعقوبات والعزلة السياسية، يجد النظام الجديد نفسه أمام فرصة لإعادة التموضع ضمن المنظومة الدولية لا بوصفه عبئاً، بل طرفاً يمكن التفاوض معه.
تسعى دمشق، من خلال هذه الخطوة، إلى تثبيت شرعية الشرع على المسرح العالمي وإقناع العواصم الغربية بأن سوريا الجديدة يمكن أن تكون “مفيدة” لا “مزعجة”.
لكن الطريق إلى ذلك محفوف بالتعقيدات: رفع العقوبات الأميركية لا يزال رهينة الكونغرس، والمؤسسات الدولية تراقب بدقة مدى التزام الحكومة الجديدة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية. أما المستثمرون، فيتريثون بانتظار إشارات أكثر وضوحاً بشأن استقرار الوضع الأمني وقدرة الدولة على ضبط حدودها وإعادة بناء مؤسساتها.
ورغم رمزية اللقاء، فإن دمشق تدرك أن الخروج من التصنيف كدولة “خطرة” يحتاج إلى مسار طويل من إعادة الثقة، وأن الغرب – وإن كان مستعداً للتقارب – لا يمنح “شيكاً على بياض”.
ثانياً: للولايات المتحدة – إعادة التموضع في شرقٍ مضطرب
بالنسبة إلى إدارة ترامب، التي تعود إلى البيت الأبيض محمّلة بملفات معقّدة في الشرق الأوسط، فإن استضافة الشرع تمثّل مكسباً دبلوماسياً مزدوجاً. من جهة، هي تعيد واشنطن إلى قلب اللعبة السورية بعد أن كانت روسيا وإيران وتركيا هي المتحكمين الرئيسيين فيها، ومن جهة أخرى تقدّم الرئيس الأميركي كرجل “الصفقات الكبرى” القادر على تحويل خصوم الأمس إلى شركاء محتملين.
التحرك الأميركي يعكس رؤية براغماتية تقليدية في السياسة الخارجية الأميركية: إذا كانت المصالح تقتضي الحوار مع “العدو السابق”، فلا مانع من ذلك. فدمشق الجديدة يمكن أن تكون ورقة ضغط على طهران وموسكو، بل وربما قناة خلفية لتفاهمات أمنية مع إسرائيل في الجولان.
لكن هذه المقاربة لن تمر بسهولة في الداخل الأميركي. فهناك تيار داخل الكونغرس والإدارة يرى أن ما جرى في سوريا لا يزال هشاً، وأن الشرع لم يثبت بعد تحوّله من زعيم فصائل إلى رجل دولة حقيقي. وبالتالي، قد تكون الخطوة مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر، لكنها تتماشى مع منطق ترامب المفضل: “كسر القواعد لصنع حدث إعلامي كبير”.
ثالثاً: للمنطقة – خريطة تحالفات تُعاد رسمها
على المستوى الإقليمي، يمثل اللقاء لحظة انعطاف في موازين القوى. فعودة سوريا إلى واجهة المشهد الدولي قد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقات بين الفاعلين الكبار في الشرق الأوسط.
إيران، التي فقدت نفوذها تدريجياً منذ سقوط الأسد، تجد نفسها أمام احتمال خسارة آخر أوراقها داخل دمشق. أما روسيا، التي استثمرت عسكرياً وسياسياً في بقاء النظام السابق، فقد تنظر بقلق إلى تمدد النفوذ الأميركي مجدداً في الساحة السورية.
في المقابل، ترى تركيا والخليج في التحول الجديد فرصة لإعادة بناء علاقات اقتصادية وسياسية مع دولة كانت تمثل عبئاً أمنياً لسنوات. فتح دمشق لأبوابها أمام الاستثمارات الخليجية يمكن أن يعيد التوازن الاقتصادي إلى المنطقة، ويخلق محوراً جديداً من “البراغماتيين الجدد” بقيادة واشنطن وأنقرة والرياض.
أما إسرائيل، فستتابع المشهد بحذر مضاعف. فهي تدرك أن واشنطن قد تسعى إلى صفقة أوسع تشمل ترتيبات أمنية على حدود الجولان وربما قنوات اتصال مباشرة مع دمشق. ومع أن ذلك قد يهدئ جبهة الشمال، إلا أنه يضيف عنصراً جديداً للغموض في المعادلة الإسرائيلية – الإيرانية.
الرسائل غير المعلنة: ما وراء الصورة الدبلوماسية
خلف لغة المجاملات الدبلوماسية التي رافقت لقاء الشرع وترمب، كانت هناك رسائل متعددة الاتجاهات تتجاوز مضمون البيانات الرسمية. فاللقاء لم يكن مجرد حوار بين رئيسين، بل إشارة سياسية مركبة إلى جملة من الفاعلين في الإقليم والعالم.
رسالة إلى إيران: “العهد تغيّر”
الرسالة الأوضح وُجهت إلى طهران، الحليف الأبرز للنظام السابق في دمشق. فزيارة الشرع إلى البيت الأبيض، بعد أشهر من تهميش الدور الإيراني في الداخل السوري، تُعدّ إعلاناً رمزياً عن نهاية مرحلة التبعية السياسية والعسكرية.
من خلال هذا الانفتاح، أراد الشرع أن يقول إن سوريا الجديدة لا تريد أن تكون ذراعاً لأحد، وأن علاقاتها ستبنى وفق المصالح لا الولاءات.
أما بالنسبة لواشنطن، فالتقارب مع دمشق يشكّل ورقة ضغط استراتيجية على إيران في لحظة تتكثف فيها مفاوضاتها حول الملف النووي، إذ يعيد للولايات المتحدة موطئ قدم على حدودها الغربية.
رسالة إلى روسيا: النفوذ لا يُورّث
موسكو التي كانت تعتقد أنها «صاحبة الملف السوري» تتلقى من واشنطن ودمشق معاً رسالة مفادها أن قواعد اللعبة تغيّرت. فبعد سنوات من الوجود العسكري الروسي في الساحل السوري، تجد الكرملين نفسه أمام مشهد جديد: دمشق تعيد ترتيب أولوياتها الاقتصادية والأمنية دون استشارة حلفائها القدامى.
ترمب من جهته أراد أن يظهر للعالم أنه قادر على سحب البساط من تحت أقدام بوتين، لا بالمدافع بل بالدبلوماسية. ولقاء الشرع في البيت الأبيض كان أبلغ من أي بيان رسمي في توجيه هذه الإشارة.
رسالة إلى أوروبا: من يتأخر يخسر الملف
واشنطن تدرك أن العواصم الأوروبية – خصوصاً باريس وبرلين – كانت تراهن على سياسة “الاحتواء من بعيد”، دون الانخراط المباشر في الملف السوري. لكن عودة سوريا إلى المشهد عبر البوابة الأميركية تعني أن أوروبا ستُجبر على اللحاق بقطار التسوية الأميركية أو البقاء خارج معادلة الإعمار والتأثير.
الشرع بدوره يرسل إشارة مشابهة: من يريد الاستثمار في سوريا، عليه أن يمر عبر واشنطن، لا عبر موسكو أو طهران.
رسالة إلى الداخل السوري: الشرعية من الخارج
في الداخل، تُعتبر الزيارة انتصاراً سياسياً للشرع، إذ تمنحه اعترافاً دولياً ضمنياً يصعب التشكيك فيه. فهو أول رئيس سوري يدخل البيت الأبيض، وأول من يحصل على رفع جزئي للعقوبات. الرسالة للسوريين واضحة: العزلة انتهت، وسوريا تعود إلى الخارطة الدولية.
غير أن هذا الاعتراف الخارجي قد يتحوّل إلى سيفٍ ذي حدين إذا فشل الشرع في ترجمة الانفتاح إلى تحسّن فعلي في حياة السوريين، أو إذا فُسّر التقارب مع واشنطن على أنه تنازل عن السيادة.
رسالة إلى الشرق الأوسط كله: سوريا عادت لاعباً
أما الرسالة الكبرى، فهي أن دمشق – التي كانت يوماً مسرحاً للحروب بالوكالة – تستعيد الآن دور الفاعل لا المفعول به. فبدلاً من أن تكون ساحة صراع بين القوى الكبرى، تحاول اليوم أن تصبح وسيطاً وممرّاً للتوازنات الجديدة بين العرب والغرب، بين واشنطن وأنقرة، وبين الخليج وطهران.






