يشهد قطاع غزة انهيارًا إنسانيًا وصحيًا غير مسبوق، حيث تتصاعد أعداد الشهداء بسبب المجاعة وسوء التغذية، لتصل وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية إلى 348 شهيدًا، بينهم 127 طفلًا، في مشهد يجسد المأساة المركبة التي تعصف بالمدنيين. الأرقام، التي كشف عنها منير البرش المدير العام لوزارة الصحة في القطاع، لا تعكس مجرد إحصاءات جافة بقدر ما تكشف عمق الكارثة، إذ إن الموت بات يحاصر الأطفال والرضع والمواليد الجدد قبل أن تبدأ حياتهم.
انهيار بيئة الحياة اليومية
المستشفيات التي كانت الملاذ الأخير للمرضى والمصابين لم تعد قادرة على أداء دورها. فقد أكد البرش في مقابلة مع قناة الجزيرة أن النظام الصحي انهار بالكامل، مستشهدًا بحادثة مأساوية وصلت فيها سيدة حامل وقد فارقت الحياة، وعندما حاول الأطباء إنقاذ الجنين خرج هو الآخر ميتًا، في صورة تجسد حجم الفاجعة اليومية. هذا الانهيار الصحي جعل من المستشفيات ساحات عجز أمام موجات الجوع والأوبئة، حيث لا دواء ولا أجهزة ولا حتى مقومات أولية لإنقاذ الأرواح.
الأزمة لم تتوقف عند نقص الغذاء والدواء، بل امتدت إلى انهيار بيئة الحياة اليومية. فقد أدى نزوح آلاف السكان إلى أماكن مكتظة وضيقة إلى تفاقم انتشار الأمراض، في ظل اختلاط المياه الملوثة والعادمة بمياه الشرب، ما وفر بيئة خصبة لانتشار الفيروسات. وقد حذر البرش من تزايد الإصابات بين الأطفال على وجه الخصوص، في وقت تعجز فيه المختبرات الطبية عن إجراء الفحوصات اللازمة بعد أن تعطلت نحو 45% من أجهزتها، ونفدت معظم المواد الأساسية لإجراء التحاليل، حيث وصلت نسبة العجز في الفحوصات المخبرية إلى 49%.
كارثة صحية
المشهد الكارثي يتعمق أكثر مع تراجع معدلات التطعيمات التي هبطت من 99% إلى 86%، مما جعل عشرات آلاف الأطفال عرضة للأمراض المعدية. وأشار المسؤول الصحي إلى إصابة نحو 40 ألف طفل بالتهاب الكبد الوبائي، معتبرًا ذلك كارثة صحية ستترك أثرًا طويل الأمد على مستقبل جيل كامل. في الوقت نفسه، تزايدت أعداد الشهداء بين مرضى الأمراض المزمنة والتخصصية، حيث توفي 40 مريضًا من أصل 262 يعانون أمراضًا مزمنة، واستشهد 182 آخرون من مرضى الحالات التخصصية، ومعظمهم من الأطفال.
ما يزيد المشهد مأساوية هو استمرار استهداف المدنيين بشكل مباشر، حيث تتحول البيوت إلى مقابر، وتتفكك الأجساد تحت القصف. وقد روى البرش مشهدًا مروعًا عندما ذهب لتعزية أحد الضحايا فلم يجد ذوي الفقيد سوى فروة رأسه وقطعة من أذنه وحذائه الذي ظل عالقًا في ساقه المبتورة، في دليل إضافي على أن الموت في غزة يتخذ أشكالًا متوحشة تتجاوز حدود المعاناة الإنسانية.
فراغ دولي
هذا التداخل بين الحصار والتجويع وانهيار النظام الصحي والقتل المباشر، يضع غزة أمام وضع مركب لا يُختزل في عنوان واحد. فالأزمة لم تعد إنسانية أو صحية فحسب، بل تحولت إلى جريمة ممنهجة تمزج بين المجاعة والتدمير المنهجي للبنية التحتية الصحية، ما يجعل كل طفل وكل امرأة وكل مريض في القطاع هدفًا لمصير محتوم. وفي ظل هذا الواقع، تبدو التحذيرات التي يطلقها المسؤولون الصحيون صرخة في فراغ دولي، بينما يواصل الموت زحفه الصامت على وجوه المدنيين الذين باتوا محاصرين بين الجوع والمرض والقصف.






