في تطور ميداني لافت يعكس تصاعد جرأة كييف في استهداف العمق الروسي، أعلنت السلطات في فولغوغراد بجنوب روسيا مقتل شخص وإصابة آخرين جراء هجوم نفذته طائرات مسيّرة أوكرانية على منطقة صناعية بالمدينة.
هجوم جديد يعمّق الجراح الروسية
الحاكم المحلي أندريه بوشاروف أوضح أن الضحية البالغ من العمر 48 عامًا توفي إثر إصابته بشظايا، بينما اندلع حريق كبير في منشأة صناعية تضم مصفاة نفط رئيسية.
الهجوم الذي وُصف بالأعنف منذ أشهر أعاد إلى الواجهة تساؤلات عن مدى قدرة الدفاعات الروسية على تأمين المدن البعيدة عن خط المواجهة، خاصة وأن فولغوغراد تقع على بعد مئات الكيلومترات من الحدود الأوكرانية.
مصادر روسية أشارت إلى أن النيران اشتعلت في موقع تابع لشركة “لوك أويل”، وهي من المنشآت الحيوية التي سبق أن تعرضت لهجمات مشابهة خلال العامين الماضيين.
ولم يقتصر الأمر على الخسائر البشرية أو المادية، بل امتد تأثيره إلى حركة الطيران المدني، إذ أغلقت 13 مطارًا روسيًا أبوابها بشكل مؤقت نتيجة “تهديدات جوية” مصدرها طائرات بدون طيار.
وتقول موسكو إن هذه الإجراءات الاحترازية باتت ضرورية في ظل تزايد عدد الهجمات الجوية، التي تُنفّذ بدقة متزايدة باستخدام تقنيات مسيّرات متطورة ومنخفضة التكلفة في الوقت ذاته.
تزامن هذا الهجوم مع إعلان وزارة الدفاع الروسية إسقاط 75 طائرة مسيّرة أوكرانية خلال ليلة واحدة، منها 49 فوق فولغوغراد وحدها، ما يشير إلى كثافة غير مسبوقة في الهجمات المنسقة، وربما إلى مرحلة جديدة من الحرب النفسية والعسكرية معًا.
كييف تغيّر قواعد الاشتباك
يرى مراقبون أن أوكرانيا بدأت تتبنى استراتيجية جديدة تستهدف الرموز الاقتصادية والعسكرية داخل روسيا، في محاولة لإيصال رسالة مزدوجة: الأولى أن موسكو ليست بمنأى عن الحرب التي أشعلتها، والثانية أن كييف قادرة على “رد الصاع صاعين” رغم تفوق روسيا العسكري.
هذه الاستراتيجية، التي ترتكز على “الضرب في العمق”، تحمل أيضًا بعدًا نفسيًا واضحًا، إذ تهدف إلى زعزعة ثقة المواطن الروسي في قدرة دولته على حمايته، فبينما تؤكد موسكو أن دفاعاتها الجوية تتطور باستمرار، تكشف الصور المتداولة عن حرائق وانفجارات داخل منشآت محمية بأنظمة متقدمة.
وتشير تقارير استخباراتية غربية إلى أن أوكرانيا تعتمد في عملياتها على مزيج من المسيّرات المحلية الصنع والمستوردة جزئيًا من شركاء غربيين، تُعدّل تقنيًا لتكون قادرة على التحليق لمسافات طويلة تتجاوز 700 كيلومتر. هذا التطور التكنولوجي سمح لأوكرانيا بتوسيع نطاق عملياتها لتصل إلى مناطق لم تعرف الحرب من قبل.
وبينما تبرر كييف هذه الهجمات بأنها “دفاع عن النفس” ورد على القصف الروسي اليومي، تعتبر موسكو أن ما يجري هو “إرهاب جوي منظم” يستهدف المدنيين والبنية التحتية الحساسة، وتتوعد بالردّ بعمليات مضادة في عمق الأراضي الأوكرانية.
تداعيات اقتصادية وأمنية متشابكة
استهداف مصافي النفط في فولغوغراد لم يكن عشوائيًا، فالمصفاة هناك تُعد من أكبر المنشآت في الجنوب الروسي وتعالج نحو 5% من إجمالي إنتاج البلاد من النفط، أي توقف أو ضرر في هذه المصفاة يعني خسائر بمليارات الروبلات وتأثير مباشر على صادرات موسكو من الوقود المكرر.
الهجمات أيضًا تمثل ضغطًا سياسيًا على الكرملين، الذي يحاول منذ شهور طمأنة المواطنين بأن “الوطن محصن” من أي تهديد، لكن مع كل مسيّرة تسقط قرب مصنع أو مصفاة، تزداد حالة القلق في الداخل، خصوصًا مع تصاعد الأحاديث في الإعلام المحلي حول “نقل الحرب إلى قلب روسيا”.
كما أن تعليق الرحلات الجوية في أكثر من 13 مطارًا خلال الهجوم الأخير تسبب في فوضى مؤقتة بقطاع النقل، وأثار مخاوف المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، وقد رأت بعض الصحف الروسية أن كييف تستخدم “تكتيك الإزعاج المتواصل” بهدف إنهاك منظومة الأمن الروسية وإجبارها على توزيع مواردها الدفاعية بشكل مشتت.
هذه التطورات تطرح سؤالًا مهمًا حول قدرة روسيا على التكيف مع نمط حرب جديد، لا يعتمد على الجيوش النظامية فقط، بل على أدوات إلكترونية ومسيّرات ذكية تُدار عن بُعد من غرف عمليات صغيرة داخل أوكرانيا.
أبعاد الحرب النفسية الجديدة
في المقابل، يؤكد محللون أن ما تقوم به أوكرانيا ليس مجرد ضربات عسكرية، بل جزء من حرب نفسية منظمة تستهدف معنويات الشعب الروسي قبل جيشه. الرسالة الأوكرانية هنا واضحة: “لن تكونوا في مأمن حتى داخل مدنكم البعيدة”.
هذا التكتيك، بحسب خبراء علم النفس العسكري، يهدف إلى نقل الشعور بالخطر من الجبهة إلى الداخل، بما يخلق ضغطًا نفسيًا على المجتمع الروسي ويدفعه إلى التساؤل حول جدوى استمرار الحرب، فكل إنذار جوي، وكل مطار يُغلق، هو بمثابة تذكير دائم للمواطن بأن الحرب لم تعد بعيدة.
ويُلاحظ أيضًا أن الإعلام الأوكراني يواكب هذه الهجمات بحملات إعلامية مصممة بعناية، تُظهر المسيّرات وهي تضرب أهدافًا روسية “بنجاح مذهل”، في محاولة لتعزيز صورة “القدرة والانتصار” داخليًا وخارجيًا، وفي المقابل، تحاول موسكو التقليل من شأن هذه الضربات ووصمها بـ”الإخفاقات المحدودة”.
بهذا المعنى، فإن الطائرات الصغيرة غير المأهولة أصبحت أدوات دعائية بقدر ما هي أسلحة، تُستخدم لإيصال رسائل سياسية ونفسية تتجاوز أثرها المادي.
الداخل الروسي تحت اختبار الصلابة النفسية
يرى الخبير الروسي د. سيرغي مالتسيف، باحث في الشؤون الأمنية الروسية، أن تصاعد الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي يمثل أخطر تحدٍّ نفسي يواجه المجتمع منذ اندلاع الحرب. ويؤكد أن الهدف الأساسي من هذه الضربات ليس التدمير المادي فقط، بل زعزعة الثقة بين المواطن والدولة.
يقول مالتسيف إن موسكو تعاملت في بداية الحرب مع هذه العمليات كاستثناءات، لكن تكرارها في مناطق حساسة مثل فولغوغراد وروفنو وموسكو جعلها تتحول إلى “مشكلة بنيوية” تتطلب إعادة نظر في مفهوم الأمن الداخلي.
ويضيف أن القيادة الروسية الآن مضطرة لتخصيص موارد إضافية لحماية المنشآت المدنية، مما قد يؤثر على تركيزها في الجبهات القتالية، كما أن تنامي الإحساس بالخطر داخل المدن الكبرى قد يُضعف المعنويات العامة ويزيد من الضغوط السياسية على الكرملين.
ويختتم الخبير الروسي حديثه بالتأكيد على أن أوكرانيا تسعى لإظهار روسيا بمظهر “العملاق الذي تُهينه مسيّرة صغيرة”، وهو ما يعتبره أخطر أنواع الحروب النفسية التي عرفها التاريخ الحديث.
المعركة دخلت عقل الخصم قبل أرضه
من جانبها، ترى أوليسيا كوفالينكو، محللة أوكرانية للشؤون العسكرية، أن كييف نجحت في توظيف التكنولوجيا الحديثة لخلق “ميزان ردع نفسي” أمام التفوق العسكري الروسي، وتقول إن الحرب اليوم لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بمدى التأثير في وعي العدو وإرادته القتالية.
وتوضح كوفالينكو أن نقل المعركة إلى داخل روسيا كان قرارًا استراتيجيًا مدروسًا، هدفه إرغام موسكو على التفكير في الدفاع عن نفسها بدلًا من التفرغ للهجوم، وبالتالي إبطاء وتيرة التقدم الروسي في الشرق الأوكراني.
وتضيف أن المسيّرات الأوكرانية الصغيرة أثبتت فاعليتها أكثر من بعض الصواريخ الباهظة الثمن، لأنها تُربك منظومات الدفاع الروسية وتفتح ثغرات لعمليات إلكترونية موازية، مثل اختراق الاتصالات أو تعطيل الرادارات.
وترى كوفالينكو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من “الهجمات الرمزية”، أي تلك التي تُحدث ضجيجًا إعلاميًا كبيرًا دون الحاجة إلى خسائر ضخمة، لأن هدفها الحقيقي هو ترسيخ الشعور بأن الحرب دخلت كل بيت روسي.






