أكد عضو المجلس الرئاسي الليبي عبد الله اللافي أن بلاده عاشت سنوات طويلة من الاضطراب السياسي والانقسام المؤسساتي، لكنها اليوم تقف أمام فرصة تاريخية للتعافي والانطلاق نحو الاستقرار، بدعم من إرادة شعبها ومواردها الاقتصادية الواعدة.
وأوضح أن المصالحة الوطنية الشاملة والحوار الجامع الذي لا يُقصي أحداً، يمثلان الطريق الوحيد لتحقيق استقرار دائم.
كلمة ليبيا في «تيكاد 9» باليابان
جاءت تصريحات اللافي خلال مشاركته في القمة التاسعة لمؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في أفريقيا «تيكاد»، المنعقدة بمدينة يوكوهاما اليابانية.
أكد “اللافي” أن الاستقرار في أفريقيا، ومنها ليبيا، لا يمكن فصله عن التنمية العادلة، والعدالة الاجتماعية، واحترام السيادة الوطنية، مشيرا إلى أن القارة تزخر بقدرات بشرية وموارد طبيعية هائلة تؤهلها لتكون نموذجاً فريداً في التنمية العالمية.
شراكة لا وصاية.. ورسالة إلى اليابان
أشاد اللافي بالدور الياباني «المتزن» في دعم أفريقيا، مؤكداً أن القارة لا تحتاج إلى وصاية، بل إلى شراكات قائمة على الاحترام المتبادل، ونقل المعرفة، وتعزيز القدرات الذاتية.
وأضاف أن ليبيا تمد يدها لأشقائها الأفارقة وشركائها الدوليين بروح الانفتاح والمسؤولية، من أجل دفع مسيرة السلام والتنمية والتكامل القاري الحقيقي.
وشدد “اللافي” على ضرورة تمكين الاتحاد الأفريقي من ممارسة دوره كاملاً في حل النزاعات وبناء السلام، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، عبر منظومة أممية عادلة تعيد التوازن للعلاقات الدولية.
وأوضح أن ليبيا، بحكم موقعها الجيوسياسي وعمقها الأفريقي، تمثل ركيزة محورية في منظومة الأمن الإقليمي، ما يضعها في قلب معادلة الاستقرار بالقارة.
إشادة دولية بدعوة اللافي للحوار
لقيت كلمة عضو المجلس الرئاسي صدى واسعاً لدى المشاركين في القمة، حيث رحبت عدة وفود أفريقية ودولية بدعوته إلى حوار وطني شامل.
واعتبر مراقبون أن هذه الدعوة تتماشى مع الجهود الأممية الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام، وإعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية على أسس توافقية.
وأكدت مصادر دبلوماسية أن الاتحاد الأفريقي ينظر بإيجابية إلى خطاب اللافي، معتبرة أن ليبيا إذا ما استعادت استقرارها فستكون داعماً رئيسياً لمسيرة السلم والتنمية في القارة.
وأشارت إلى أن تعزيز الدور الأفريقي في حل النزاعات يعكس رغبة متزايدة لدى الدول الأعضاء في تقليص التدخلات الخارجية التي غالباً ما تعقّد الأزمات بدلاً من حلّها.
تحديات الداخل.. وسباق مع الوقت
رغم نبرة التفاؤل التي حملتها كلمة اللافي، إلا أن الطريق أمام ليبيا ما زال محفوفاً بالتحديات. فالخلافات السياسية بين الشرق والغرب، وغياب سلطة موحدة قادرة على فرض قراراتها، تجعل المصالحة الوطنية عملية معقدة تحتاج إلى توافقات كبرى وتنازلات متبادلة من جميع الأطراف.
اللافي شدد على أن ليبيا تملك مقدرات اقتصادية ضخمة، من النفط والغاز إلى موقعها الاستراتيجي كبوابة بين أفريقيا وأوروبا. ويرى محللون أن استثمار هذه الثروات بشكل عادل وشفاف سيكون مفتاحاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة، وبالتالي توفير بيئة ملائمة للسلام وبناء الثقة بين الليبيين.
الشباب الليبي ودورهم في المصالحة
أكدت كلمة اللافي ضمناً على أهمية إشراك الشباب الليبي في مسار المصالحة، باعتبارهم الفئة الأكثر تضرراً من ويلات الحرب والاضطرابات. ويرى مراقبون أن تمكين هذه الفئة من المشاركة في صياغة مستقبل البلاد سيكون الضمان الحقيقي لنجاح أي عملية سياسية، ويحول دون تجدد النزاعات.
على الرغم من إشادة كثير من الوفود الدولية بموقف اللافي، إلا أن الملف الليبي لا يزال ساحة لتباين المواقف بين قوى كبرى، حيث تسعى بعض الأطراف إلى تعزيز نفوذها عبر دعم هذا الطرف أو ذاك. ويرى محللون أن نجاح دعوة المصالحة يتوقف على قدرة الليبيين أنفسهم على تحييد التدخلات الخارجية، وفرض أجندة وطنية خالصة.
إصلاح المؤسسات ركيزة أساسية
“اللافي” شدد أيضاً على أن المصالحة لن تكون ذات جدوى إذا لم تترافق مع إصلاح شامل للمؤسسات، سواء المدنية أو الأمنية. فبناء مؤسسات قوية وموحدة، قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات، يُعد شرطاً أساسياً لإنهاء الانقسام وتحقيق استقرار طويل الأمد.
يرى مراقبون أن تنظيم انتخابات وطنية شاملة يمثل الاختبار الأبرز أمام دعوات الحوار والمصالحة. فإذا نجحت القوى السياسية في التوافق على إطار قانوني وتنفيذي لإجراء الاستحقاق الانتخابي، فإن ذلك سيكون خطوة فارقة على طريق إعادة الشرعية الشعبية للمؤسسات، وتعزيز ثقة الليبيين في العملية السياسية.
رؤية مستقبلية نحو ليبيا جديدة
في نهاية المطاف، تبدو رسالة اللافي واضحة: لا عودة إلى الوراء، بل انفتاح على مرحلة جديدة قوامها المصالحة والحوار. وهي رؤية تنسجم مع طموحات الليبيين الذين يتطلعون إلى دولة مستقرة وفاعلة، قادرة على لعب دور محوري في محيطها العربي والأفريقي، بما يعيد لليبيا مكانتها التاريخية كفاعل إقليمي لا غنى عنه.






