حذرت القوات المسلحة التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من تطور قالت إنه يهدد سلامة الطيران المدني في جنوب البحر الأحمر، بعدما أعلنت رصد ما وصفته باستخدام جماعة أنصار الله (الحوثيين) أسلحة دفاع جوي إيرانية متطورة بأساليب تشغيل جديدة ضد طائرات مدنية ومسارات جوية دولية.
وقال المتحدث باسم القوات المسلحة الحكومية، ماجد النزيلي، إن الأسلحة التي جرى رصدها في مناطق خاضعة للحوثيين بمحافظة الحديدة يمكن استخدامها بطريقة مختلفة عن مهمتها التقليدية، زاعماً أنها تُطلق باتجاه المسارات الجوية الدولية وتعمل على تعقب مصادر حرارية.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت تشهد فيه اليمن تصعيداً عسكرياً متزايداً، خصوصاً على امتداد الساحل المطل على البحر الأحمر، حيث حقق الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة تقدماً ميدانياً وسيطروا على مناطق ومواقع استراتيجية قرب طرق الملاحة الدولية.
سلاح دفاع جوي يتحول إلى تهديد للطيران المدني
بحسب الرواية التي قدمها الجيش اليمني، فإن الأسلحة التي يتحدث عنها لا تستخدم فقط في اعتراض الطائرات، وإنما جرى توظيفها بطريقة وصفها بأنها «مبتكرة» لاستهداف الأجسام الجوية.
وقال النزيلي إن الصواريخ التي أُطلقت من مناطق في محافظة الحديدة يمكن أن تبقى في حالة تحليق لمدة تصل إلى 25 دقيقة، قبل أن تتجه نحو مصادر حرارية وفق نظام تتبع حراري.
وتقول القوات الحكومية إن المشكلة الأساسية تكمن في عدم قدرة هذه الأسلحة، وفق توصيفها، على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ما قد يجعل أي طائرة تدخل مجال عملها عرضة للخطر.
ولم تتوفر، في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها، معلومات مستقلة تؤكد جميع التفاصيل التقنية التي أوردها المتحدث اليمني، بما في ذلك مدة التحليق البالغة 25 دقيقة أو طبيعة نظام التوجيه المستخدم.
تحذير من تحول جنوب البحر الأحمر إلى منطقة خطرة للطيران
التحذير اليمني لا يقتصر على الطائرات التجارية. فقد أشار النزيلي إلى أن المسارات الجوية نفسها تستخدمها طائرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والإغاثية العاملة في اليمن والمنطقة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن جنوب البحر الأحمر وباب المندب أصبحا بالفعل جزءاً رئيسياً من جبهة الصراع اليمني المتصاعد.
وكان الحوثيون قد وسعوا خلال سبتمبر/أيلول عملياتهم العسكرية باتجاه الساحل الغربي لليمن، فيما خاضت القوات الحكومية المدعومة من السعودية معارك لاستعادة مواقع استراتيجية على البحر الأحمر. وتقول تقارير حديثة إن الجماعة تمكنت من تعزيز سيطرتها على أجزاء مهمة من الساحل، بما في ذلك مناطق قرب باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
التصعيد لا يقتصر على الصواريخ
وتأتي هذه الاتهامات في سياق أوسع من التصعيد العسكري بين الحوثيين والقوات الحكومية.
ففي مطلع سبتمبر، قالت القوات الحكومية إن الحوثيين أطلقوا 14 صاروخاً باليستياً بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيرة على مناطق في محافظتي تعز والحديدة، مشيرة إلى أن دفاعاتها الجوية تمكنت من إسقاط عدد من الطائرات المسيرة.
وفي الأيام التالية، شنت القوات الحكومية ضربات جوية على مواقع للحوثيين، في واحدة من أعنف موجات القتال التي شهدتها اليمن منذ الهدنة الهشة التي سادت البلاد منذ عام 2022.
وتشير تحليلات معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة إلى أن الحوثيين يواصلون الضغط على القوات الحكومية في محاولة للسيطرة على طرق استراتيجية تربط تعز بعدن، بالتزامن مع تعزيز مواقعهم على الساحل المطل على البحر الأحمر.
إيران في قلب الاتهامات
ويضع بيان الجيش اليمني القدرات الإيرانية في قلب الرواية الجديدة، إذ قال المتحدث إن الأسلحة المستخدمة ذات منشأ إيراني.
ويأتي ذلك في ظل اتهامات متكررة من الحكومة اليمنية وحلفائها للحوثيين بالحصول على أسلحة وتقنيات عسكرية من إيران. وتصف مصادر غربية الجماعة بأنها مدعومة من طهران، فيما ينفي الحوثيون تقديم إيران لهم توجيهاً مباشراً بشأن عملياتهم.
وفي المقابل، أظهرت التطورات الأخيرة امتلاك الحوثيين ترسانة متنوعة تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وهو ما جعل الجماعة لاعباً عسكرياً مؤثراً في المنطقة الممتدة من اليمن إلى البحر الأحمر. وقد أعلنت الجماعة في فترات سابقة تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد أهداف في السعودية وإسرائيل، بينما تقول الرياض إنها اعترضت عدداً من هذه الهجمات.
معركة على الأرض… وتهديد يمتد إلى السماء
ما يجعل التحذير الأخير أكثر حساسية هو أنه يأتي بالتزامن مع تغيرات ميدانية واسعة في غرب اليمن.
فالمعركة لم تعد محصورة في المدن والطرق البرية؛ السيطرة على الساحل الغربي وباب المندب تمنح الأطراف المتحاربة قدرة أكبر على التأثير في خطوط الملاحة والطيران في منطقة ذات أهمية دولية.
وقد أدى التصعيد الأخير بالفعل إلى نزوح واسع للسكان. وبحسب الأمم المتحدة، تجاوز عدد النازحين بسبب موجة القتال الأخيرة 130 ألف شخص خلال سبتمبر وحده، مع توقعات بزيادة العدد في الأشهر المقبلة إذا استمر القتال.
كما أن سيطرة الحوثيين على مناطق ساحلية استراتيجية أثارت مخاوف بشأن حركة التجارة والطاقة، خصوصاً أن باب المندب يمثل أحد الممرات الرئيسية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
ماذا يعني ذلك للطيران المدني؟
إذا تأكدت رواية القوات الحكومية بشأن استخدام صواريخ ذات قدرة على البحث الحراري في نطاقات قريبة من المسارات المدنية، فإن الخطر المحتمل يتجاوز حدود الصراع اليمني.
فأي تهديد غير منضبط للمجال الجوي فوق منطقة تشهد حركة لطائرات مدنية وإنسانية يمكن أن يفرض قيوداً إضافية على شركات الطيران، ويزيد تكاليف التأمين والتشغيل، ويدفع شركات النقل إلى إعادة تقييم مساراتها فوق البحر الأحمر.
لكن حتى الآن، لا تتوفر أدلة مستقلة منشورة تثبت أن هذه الصواريخ استهدفت بالفعل طائرات مدنية أو أنها أسقطت طائرة مدنية. ولذلك تبقى المعلومات المتاحة في إطار تحذير صادر عن طرف مشارك في الحرب، إلى حين ظهور أدلة أو تأكيدات مستقلة.
البحر الأحمر أمام مرحلة جديدة
يتزامن هذا التطور مع محاولة الحوثيين تثبيت مكاسبهم العسكرية على الساحل، فيما تكثف القوات الحكومية المدعومة من السعودية عملياتها الجوية والبرية لوقف تقدم الجماعة.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المشاركة الدولية في حماية البنية التحتية والممرات الحيوية في المنطقة. فقد أعلنت بريطانيا تقديم دعم جوي دفاعي للسعودية، بينما بدأت دول أخرى تعزيز قدراتها الدفاعية لحماية المنشآت الحيوية من الهجمات الحوثية.
وهكذا، يبدو أن الصراع اليمني يدخل مرحلة تتجاوز حدود المعركة التقليدية بين القوات الحكومية والحوثيين. فمع امتداد المواجهة إلى باب المندب والمجال الجوي فوق البحر الأحمر، تصبح تداعيات أي خطأ أو سوء تقدير أكثر اتساعاً، وقد لا تتوقف آثارها عند أطراف الحرب، بل تصل إلى الطيران المدني والتجارة الدولية والمساعدات الإنسانية.






