تبدو جريمة فيصل واحدة من أكثر القضايا التي أثارت ذهول المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب وحشية تفاصيلها، بل لأنها كسرت الحاجز النفسي الذي يفصل الإنسان الطبيعي عن فعل الإبادة المتعمد لأرواح بريئة، خصوصًا حين يكون الضحايا أطفالًا لا ذنب لهم سوى ارتباطهم العاطفي بامرأة كانت ضحية هي الأخرى لدوامة من الخداع والانتقام.
تبدأ فصول المأساة من علاقة غير متكافئة جمعت بين المتهم — صاحب محل للأدوية البيطرية — وربّة منزل لجأت إليه في لحظة ضعف أو اضطراب أسري، فاصطحبت أبناءها الثلاثة لتقيم معه في شقة مستأجرة. هذه العلاقة، التي خرجت عن الإطار الاجتماعي المعتاد، تحولت تدريجيًا إلى بيئة توتر نفسي متصاعد، انتهت بانفجار مدمر عندما اعتقد الجاني أن “كرامته أُهينت”، فاستبدل الحوار والانسحاب الطبيعي بخطة قتل باردة ومنظمة.
نزعة انتقامية مركبة
التحقيقات التي كشفت تفاصيل الجريمة تشير إلى أن الجاني أعد جريمته على مراحل، مستخدمًا مادة سامة بحكم خبرته في المجال البيطري، ما يعكس درجة عالية من التخطيط المسبق، وغياب أي دافع عفوي أو انفعالي لحظة التنفيذ. فقتل المرأة أولًا بعد أن دس السم في عصيرها، ثم واصل مسار الإبادة بحق أطفالها بعد أيام، في سلوك يعبّر عن نزعة انتقامية مركبة يتداخل فيها الشعور بالإهانة مع الرغبة في السيطرة المطلقة على مصير الآخرين.
ويصف خبراء علم النفس الجنائي هذا النوع من الجرائم بأنه “انتقام تطهيري” — حيث يبرر القاتل لنفسه فعله باعتباره تصحيحًا لوضع أخلاقي أو عاطفي فاسد من وجهة نظره، في حين أنه في الحقيقة يعاني من اضطراب نرجسي حاد يجعله يرى في ذاته سلطة عليا تمتلك الحق في الحكم والعقاب. مثل هذا النمط يرتبط عادة بمزيج من اضطرابات الشخصية النرجسية والعدوانية الكامنة، التي تنفجر عند فقدان السيطرة أو الشعور بالرفض.
غياب الدعم النفسي والرقابي
كما يرى المتخصصون أن قتل الأطفال الثلاثة بعد وفاة الأم يشير إلى انفصال تام عن الإحساس بالذنب، وإلى مستوى متقدم من البلادة الانفعالية، حيث يتحول الطفل في وعي الجاني من كائن بريء إلى “امتداد للضحية الأصلية” التي أراد الانتقام منها. فالفعل لم يكن موجّهًا ضد الأطفال لذواتهم، بل ضد الأم بعد موتها، في محاولة لا شعورية لمحو أثرها من الوجود.
من الزاوية الاجتماعية، تطرح الجريمة أسئلة عميقة حول هشاشة العلاقات غير المستقرة خارج الأطر القانونية، وحول غياب الدعم النفسي والرقابي الذي قد يمنع تصاعد الخلافات إلى هذا الحد من العنف. فالمجتمع غالبًا ما ينظر إلى هذه القصص بعين الإدانة الأخلاقية، دون التوقف عند المقدمات التي جعلت امرأة بمفردها، مع ثلاثة أطفال، تحت رحمة رجل لا تعلم تفاصيل شخصيته.
جريمة بدم بارد وتحرك أمني سريع
أما من الناحية الأمنية، فإن سرعة استجابة أجهزة البحث الجنائي وضبط الجاني بعد أيام قليلة من ارتكاب الجريمة تكشف عن كفاءة ميدانية، لكنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على صعوبة التنبؤ بالجرائم العاطفية المسبوقة بخداع أو علاقات مضطربة، إذ غالبًا ما تقع في الخفاء، بعيدًا عن أنظار الجيران أو الأسرة، ولا تظهر إلا بعد وقوع الكارثة.
تبقى جريمة فيصل درسًا قاسيًا في هشاشة النفس البشرية حين تفقد توازنها الأخلاقي والعاطفي. إنها نموذج لجريمة “بدم بارد” يختلط فيها الدافع الشخصي بالعقد النفسية غير المعالجة، وتكشف عن حاجة ملحة إلى إدماج الوعي النفسي في التعامل مع الخلافات الأسرية والعلاقات الخاصة قبل أن تتحول إلى كوارث جماعية. الجريمة ليست فقط مأساة أسرة قُتلت، بل مرآة لخلل أعمق في بنية الوعي الاجتماعي والنفسي، حيث يُستبدل الحوار بالانتقام، والحب بالعقاب، والإنسانية بالوحشية المقنّعة بثوب من الغيرة والشرف الموهوم.






