شهد الجنوب السوري تصعيدًا جديدًا بعد توغل قوات إسرائيلية داخل قرية عابدين في ريف محافظة درعا، أعقبه قصف مدفعي أدى إلى نزوح عدد من السكان خلال ساعات الليل، في تطور أثار إدانة رسمية من الحكومة السورية التي اعتبرت ما جرى انتهاكًا جديدًا لسيادة البلاد ووحدة أراضيها.
وأدانت وزارة الخارجية في سوريا، في بيان رسمي، ما وصفته بـ”الاعتداءات الإسرائيلية” المتمثلة في التوغلات داخل محافظتي درعا والقنيطرة، إلى جانب استهداف المنطقة بالقذائف المدفعية، مؤكدة أن هذه التحركات تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وتهدد أمن واستقرار المنطقة.
قرية عابدين.. بؤرة التصعيد الجديدة
وشهدت قرية عابدين الواقعة في منطقة حوض اليرموك غرب محافظة درعا، أمس الأحد، توترًا غير مسبوق بعدما توغلت قوة إسرائيلية داخل القرية لأول مرة، وهو ما دفع عددًا من الأهالي إلى اعتراض إحدى الدوريات عبر إلقاء الحجارة في محاولة لمنع تقدمها.
وردت القوات الإسرائيلية بقصف مدفعي استهدف محيط القرية، ما دفع عشرات الأسر إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى القرى المجاورة خوفًا من اتساع رقعة المواجهات، قبل أن تنسحب القوات الإسرائيلية لاحقًا، لتعود الأوضاع إلى قدر من الهدوء صباح الاثنين.
وأكد مسؤول محلي في القرية أن السكان اضطروا إلى النزوح ليلًا بعد سقوط قذائف بالقرب من منازلهم، فيما وثق مصورون وجود قذيفة إسرائيلية لم تنفجر بالقرب من أحد المنازل، الأمر الذي زاد من حالة القلق بين الأهالي.
الجولان.. بؤرة توتر مستمرة
وتقع قرية عابدين بالقرب من مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وهي المنطقة التي احتلت إسرائيل أجزاءً واسعة منها خلال حرب عام 1967 قبل أن تضمها رسميًا عام 1981، في خطوة لم تحظ باعتراف المجتمع الدولي باستثناء الولايات المتحدة.
ويمنح هذا الموقع الجغرافي القرية أهمية استراتيجية، خاصة مع تزايد التحركات العسكرية الإسرائيلية في المناطق المحاذية للجولان خلال الأشهر الأخيرة.
300 خرق إسرائيلي خلال شهر واحد
وتشير المعطيات الميدانية إلى تصاعد ملحوظ في وتيرة العمليات الإسرائيلية داخل الجنوب السوري منذ مطلع يونيو، حيث وثق مركز “سجل” المحلي، المتخصص في رصد التحركات الإسرائيلية داخل سوريا، نحو 300 خرق وعملية عسكرية خلال شهر يونيو وحده.
وتضمنت هذه العمليات 79 عملية توغل بري، و28 عملية مداهمة، و13 عملية احتجاز لسكان محليين.
وتعكس هذه الأرقام اتساع النشاط العسكري الإسرائيلي في محافظتي درعا والقنيطرة في سوريا بصورة غير مسبوقة منذ سنوات.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته نفذت، السبت، عملية داخل ما وصفه بـ”المنطقة الأمنية” في جنوب سوريا، مؤكداً أنها أسفرت عن “تصفية عدد من الإرهابيين المسلحين”، دون الكشف عن موقع العملية أو عدد القتلى.
ولم تصدر وسائل الإعلام السورية الرسمية أي معلومات أو تفاصيل بشأن هذه العملية، ما أبقى الكثير من الملابسات المحيطة بها دون توضيح.
إسرائيل تتمسك بالبقاء في المنطقة الأمنية
ويأتي هذا التصعيد بعد أيام من تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أكد أن إسرائيل ستواصل البقاء في المنطقة الأمنية جنوب سوريا، إلى جانب وجودها في جنوب لبنان وقطاع غزة، “لفترة غير محدودة”، بهدف إزالة أي تهديد لأمنها، بحسب تعبيره.
وتعكس هذه التصريحات توجهًا إسرائيليًا نحو ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد داخل المناطق الحدودية، وهو ما ترفضه دمشق بشكل قاطع، معتبرة أنه يمثل احتلالًا وانتهاكًا لسيادة الدولة السورية.
ومنذ الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، ونفذت مئات الضربات الجوية ضد مواقع عسكرية، كما وسعت نطاق توغلاتها البرية متجاوزة المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في الجولان.
وتقول دمشق إن هذه التحركات تشكل تصعيدًا خطيرًا يهدد الأمن الإقليمي، فيما تؤكد إسرائيل أنها تستهدف منع أي تهديدات أمنية قد تنطلق من الأراضي السورية.
محادثات أمنية رغم استمرار المواجهات
ورغم استمرار العمليات العسكرية والتوتر الميداني، شهدت الأشهر الماضية جولات متعددة من المحادثات المباشرة بين إسرائيل والسلطات السورية الجديدة، في محاولة لاحتواء التصعيد.
ووفق المعطيات المتداولة، توصل الطرفان، بضغط أميركي، خلال يناير الماضي إلى اتفاق يقضي بإنشاء آلية تنسيق مشتركة، تمهيدًا للتفاوض بشأن ترتيبات أمنية جديدة، رغم أن البلدين لا يزالان رسميًا في حالة حرب منذ عقود.
ويكشف التصعيد الأخير في الجنوب السوري عن مشهد بالغ التعقيد، تتداخل فيه العمليات العسكرية مع محاولات فتح قنوات اتصال أمنية وسياسية بين دمشق وتل أبيب.
وبينما تؤكد سوريا رفضها القاطع لأي وجود عسكري إسرائيلي داخل أراضيها، تتمسك إسرائيل بمواصلة عملياتها تحت مبررات أمنية، ما يجعل الجنوب السوري مرشحًا لمزيد من التوتر في ظل غياب تسوية نهائية تضمن الاستقرار وتمنع تكرار المواجهات.






