يشير تحليل «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» (IPC)، وهو إطار أممي مقره روما، إلى تحسن نسبي في أوضاع الأمن الغذائي والتغذية في قطاع غزة عقب إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025. ومع ذلك، لا تزال الغالبية العظمى من السكان تواجه مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يبقى الوضع الإنساني عامًا حرجًا، رغم تحسن محدود في وصول المساعدات الغذائية الإنسانية والتجارية.
وأفادت وكالات الأمم المتحدة بأن قطاع غزة بأكمله لا يزال مصنفًا ضمن حالة الطوارئ (المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) حتى منتصف أبريل/نيسان 2026، من دون تصنيف أي منطقة في مرحلة المجاعة (المرحلة الخامسة). ووفقًا لتوقعات التصنيف للفترة الممتدة من 1 ديسمبر/كانون الأول 2020 إلى 15 أبريل/نيسان 2026، «من المتوقع أن يظل الوضع خطيرًا، حيث يواجه نحو 1.6 مليون شخص انعدامًا في الأمن الغذائي عند مستوى الأزمة أو ما هو أسوأ».
وفي موازاة الأزمة الغذائية، حذّرت منظمة الصحة العالمية من تفاقم الوضع الصحي في القطاع، مشيرة إلى وفاة أكثر من ألف شخص أثناء انتظارهم الإجلاء الطبي. وأعلنت المنظمة، يوم الجمعة، أن 1092 مريضًا لقوا حتفهم بين يوليو/تموز 2024 و28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أثناء انتظارهم الخروج من غزة لتلقي العلاج، وهو رقم قالت إنه «قد يكون أقل من الواقع»، وفق بيانات صادرة عن وزارة الصحة في غزة.
وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في منشور على منصة «إكس»، إن القيود المفروضة على الإجلاء الطبي لا تزال تحرم آلاف المرضى من العلاج المنقذ للحياة. وأضاف أنه منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمكنت المنظمة وشركاؤها من إجلاء أكثر من 10,600 مريض من غزة، بينهم أكثر من 5,600 طفل يحتاجون إلى رعاية طبية متخصصة.
ودعا غيبريسوس إلى استقبال عدد أكبر من الدول للمرضى القادمين من غزة، مطالبًا باستئناف عمليات الإجلاء الطبي إلى الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، مشددًا على أن «الأرواح تعتمد على ذلك».
ورغم دخول هدنة هشة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول، بعد أكثر من عامين من الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، لا تزال عمليات الإجلاء الطبي تُنفذ على دفعات محدودة ومتقطعة. وقال المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، طارق جاساريفيتش، في جنيف، إن نحو 18,500 مريض، من بينهم أكثر من 4,000 طفل، ما زالوا بحاجة ماسة إلى العلاج خارج قطاع غزة.
من جهتها، قالت منظمة أوكسفام فرنسا إن «المجاعة في غزة بلغت مستويات مروعة كان من الممكن تفاديها»، متهمة إسرائيل بالسماح بدخول «كميات ضئيلة للغاية» من المساعدات، ومواصلة عرقلة طلبات عشرات المنظمات الإنسانية المعترف بها.
اسرائيل ترفض ” الإدعاءات
رفضت لجنة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي الفلسطينية (COGAT)، التي تنسق دخول المساعدات إلى غزة، يوم الجمعة بشكل قاطع نتائج اللجنة الدولية للأمن (IPC) التي تفيد بأن الوضع الإنساني في غزة لا يزال حرجاً، مشيرة إلى أنه تم تسليم حوالي 500 ألف طن من المواد الغذائية إلى القطاع منذ 10 أكتوبر، وهو ما يتجاوز بكثير احتياجات سكان غزة وفقاً لقياسات برنامج الأغذية العالمي، وكما أقرت اللجنة الدولية للأمن نفسها.
وتصف تقرير التصنيف المرحلي المتكامل بأنه “صورة مشوهة ومتحيزة وغير مؤسسة للوضع الإنساني”، والذي يعاني من “قصور خطير في جمع البيانات” ويعتمد على “مصادر لا تعكس المدى الكامل للمساعدات الإنسانية”.
وقالت الوكالة تعليقاً على الدراسة الجديدة: “ترفض وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق بشدة الادعاءات والاستنتاجات الواردة في تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الذي صدر اليوم (الجمعة)، والذي يرسم مرة أخرى صورة مشوهة ومتحيزة ولا أساس لها للوضع الإنساني في قطاع غزة” .
ويرى عاملون في المجال الإنساني أن استمرار الأزمة في قطاع غزة يرتبط بالقيود المفروضة على حركة البضائع والأشخاص، إذ تفرض إسرائيل طوقًا أمنيًا محكمًا على القطاع، وتخضع عملية دخول المساعدات لشروط وإجراءات معقدة. وتبقى جميع المعابر المؤدية إلى غزة تحت الإدارة الإسرائيلية المباشرة، سواء تلك المخصصة للمساعدات الإنسانية أو للسلع التجارية، وهو ما يحدّ من تدفق الإمدادات بشكل منتظم وكافٍ. ويُفسّر هذا الواقع استمرار مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، رغم الحديث عن عدم بلوغ مرحلة المجاعة رسميًا، إذ إن توفر الغذاء يظل هشًا وغير مستقر، ومرتبطًا باعتبارات أمنية وسياسية أكثر من كونه استجابة إنسانية بحتة.






