تشير التطورات السياسية في العراق إلى مشهد معقّد يسبق الانتخابات العامة المقرر إجراؤها الثلاثاء المقبل، حيث تتزاحم الكتل والأحزاب الكبرى لتثبيت مواقعها في «معادلة الحكم الثلاثية» المكوّنة من مناصب رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، وهي المناصب التي ظلت خاضعة منذ عام 2005 لعرف سياسي راسخ يقوم على مبدأ المحاصصة المذهبية والقومية بين المكونات الأساسية للبلاد: الشيعة والسنة والكرد. غير أنّ الأجواء الراهنة توحي ببوادر تحوّل محتمل في هذا العرف التاريخي، مع بروز طموحات غير مسبوقة من جانب القوى السنية ممثلة برئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي، الذي يسعى إلى كسر القاعدة المعمول بها من خلال التنافس على منصب رئاسة الجمهورية، وهو المنصب الذي ظلّ حكراً على الكرد طوال العقدين الماضيين.
انقسام الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني
في المقابل، يتمسّك الكرد بمنصب رئاسة الجمهورية باعتباره رمزاً لوجودهم وضمانةً سياسية في توازن السلطة داخل بغداد، رغم اعترافهم بأن المنصب «تشريفي» في طبيعته. ويؤكد المستشار الإعلامي لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود برزاني، كفاح محمود، أنّ بقاء المنصب في يد الكرد يُعدّ ضرورة لاستمرار «التوازن الإيجابي» بين المكونات، مشيراً إلى أنّ حصول المكوّن العربي على رئاسة البرلمان والحقائب الوزارية المقابلة يشكّل المعادلة الأكثر استقراراً في التجربة السياسية العراقية. هذا التمسّك الكردي يجد جذوره في حسابات أبعد من مجرد الموقع البروتوكولي، إذ ينظر إليه كجسر اتصال بين أربيل وبغداد، وكأداة تتيح للكرد الحفاظ على نفوذهم ضمن مؤسسات الدولة الاتحادية.
لكن المشهد الكردي الداخلي لا يبدو في أفضل حالاته. فالإقليم الذي يشهد انقساماً حاداً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني فشل في تشكيل حكومة محلية منذ انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وهو ما يعكس عمق الخلافات السياسية بين الحزبين، ويضعف موقعهما التفاوضي مع بغداد. هذا الانقسام قد يفتح الباب، بحسب مراقبين، أمام فقدان الكرد لمنصب رئاسة الجمهورية في الدورة المقبلة، خصوصاً إذا ما استثمرت القوى السنية والشيعية هذا الضعف لتبديل قواعد المحاصصة بما يخدم توازنات جديدة. ويقرّ المستشار كفاح محمود بأن غياب التفاهم بين الحزبين الرئيسين «قد تكون له نتائج سلبية مباشرة على المفاوضات المقبلة»، لكنه لا يستبعد في الوقت ذاته أن تفضي «صفقات اللحظة الأخيرة» إلى تسويات تُعيد الأمور إلى نصابها التقليدي كما حدث في دورات سابقة.
توزيع السلطات وخطط السُنية
منذ عام 2005، احتكر «الاتحاد الوطني الكردستاني» منصب رئاسة الجمهورية عبر شخصياته البارزة من جلال طالباني إلى برهم صالح ثم عبد اللطيف رشيد، بينما تولى الحزب الديمقراطي مناصب الرئاسة ورئاسة الوزراء في حكومة الإقليم. هذا الترتيب التاريخي ظلّ متوازناً نسبياً حتى بدأت الخلافات بين الحزبين تتسع حول قضايا النفط والتمثيل السياسي وتقاسم الموارد، ما أضعف وحدة الموقف الكردي أمام بغداد، وفتح الباب أمام الطامحين الجدد في المشهد العراقي، وفي مقدمتهم محمد الحلبوسي.
الحلبوسي، الذي خسر منصبه رئيساً للبرلمان بقرار المحكمة الاتحادية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، أعاد التموضع السياسي بخطاب أكثر طموحاً، معلناً صراحة رغبته في شغل منصب رئاسة الجمهورية. وهو يستند في حجته إلى سابقة تاريخية، حين شغل غازي عجيل الياور – وهو سني – المنصب ذاته في الفترة الانتقالية بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2004. وبهذا يستعيد الحلبوسي فكرة أنّ توزيع السلطات ليس قدراً ثابتاً، بل يمكن أن يخضع لإرادة الناخبين وتفاهمات القوى الممثلة لهم. وقد قال في مقابلة حديثة: «لا أحد يختار لنا. نحن من نختار، وإذا رأى المكوّن السني أن رئاسة الجمهورية هي استحقاقه، فسنذهب باتجاهها». هذا التصريح لم يكن مجرد موقف شخصي، بل إشارة إلى محاولة سنية جماعية لإعادة تعريف موقعهم في النظام السياسي العراقي بعد عقدين من المشاركة المحدودة والمقيدة ضمن معادلة الهيمنة الشيعية والكردية.
في المقابل، يرى مقربون من حزب «تقدم» أن التحولات الإقليمية والسياسية تتيح فرصة واقعية لتغيير الأعراف الراسخة، خصوصاً مع تراجع التحالف الكردي–الشيعي الذي شكّل ركيزة الحكم منذ عام 2003. ويقول مصدر في الحزب إن «التحالف الاستراتيجي بين الشيعة والكرد لم يعد قائماً كما كان، والسنة العرب اليوم هم الأقرب إلى الشيعة العرب، وهو ما قد يعيد رسم المشهد الحكومي المقبل». ويضيف أن «منصب رئاسة الجمهورية بات ورقة تفاوضية يمكن المساومة عليها مع الكرد مقابل البرلمان، وفقاً للأوزان الانتخابية التي ستفرزها صناديق الاقتراع». هذه المقاربة تعكس براغماتية سنية جديدة تستند إلى قراءة دقيقة للواقع العراقي، حيث لم يعد من الممكن الاحتفاظ بالمعادلات القديمة في ظل تغيّر موازين القوى داخل المكونات الثلاثة نفسها.
توافق السنة مع الشيعة على حساب الكرد
ومع ذلك، لا يزال من المبكر الجزم بإمكانية نجاح الحلبوسي في تحقيق اختراق حقيقي. فالمشهد السني يعاني هو الآخر من انقسامات حادة بين كتل سياسية وشخصيات نافذة لا تتفق على قيادة موحدة أو رؤية مشتركة. هذا التشتت الداخلي يضعف قدرة الحلبوسي على التفاوض باسم المكوّن السني بأكمله، خصوصاً في ظل وجود أطراف سنية ترى أن موقع رئاسة البرلمان يظل أكثر تأثيراً في صناعة القرار من رئاسة الجمهورية ذات الطابع الرمزي. كما أن بعض القوى السنية، التي تربطها علاقات وثيقة بالحزبين الكرديين، قد لا ترغب في الدخول في مواجهة مباشرة معهما حفاظاً على توازنات المصالح المتبادلة.
من الناحية الشيعية، تبدو الأمور أكثر رسوخاً. فالقوى الشيعية، رغم تنافسها الداخلي بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، تتفق على أن رئاسة الوزراء «استحقاق ثابت» للمكوّن الأكبر عددياً، وهو ما يجعل موقعها في المعادلة السياسية أقل عرضة للتغيير. ومع ذلك، فإن أي إعادة توزيع للأدوار بين السنة والكرد في المناصب السيادية قد تنعكس على شكل الحكومة المقبلة وطبيعة التحالفات البرلمانية التي ستنبثق عنها. إذ إن توافق السنة مع الشيعة على حساب الكرد – أو العكس – سيعيد رسم الخريطة السياسية التي حكمت العراق منذ دستور 2005، وقد يدفع باتجاه ترتيبات جديدة تتجاوز «العرف السياسي» إلى منطق «الأوزان الانتخابية الفعلية».
في ضوء ذلك، يُمكن القول إن العراق يقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية عنوانها «إعادة تعريف الأعراف». فالمحاصصة التي بدت لعقدين وكأنها قدر سياسي بدأت تتعرض للاهتزاز تحت ضغط التغيرات الداخلية والإقليمية، وتنامي الشعور لدى بعض المكونات بأن نظام التوازنات القائم لم يعد كافياً لتحقيق الشراكة الحقيقية في الحكم. ومع أنّ الحلبوسي يُجسد هذا الطموح السني الواضح لتوسيع دائرة النفوذ، فإن فرصته في الوصول إلى رئاسة الجمهورية ستظل رهناً بتشابك ثلاثة عوامل: أولها، حجم مقاعده وحلفائه بعد الانتخابات؛ وثانيها، وحدة الصف السني الداخلي؛ وثالثها، موقف القوى الشيعية التي تمسك بمفتاح الحسم النهائي في تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب السيادية.
صفقات اللحظة الأخيرة
أما الكرد، فإن مصيرهم في الحفاظ على المنصب الرئاسي مرتبط بقدرتهم على تجاوز خلافاتهم الداخلية والتحدث بصوت واحد أمام بغداد. فالتشتت الحالي بين أربيل والسليمانية أضعف الموقف التفاوضي الكردي، وجعلهم أكثر عرضة للمساومة في لعبة التحالفات المقبلة. ومع ذلك، فإن التجربة العراقية تشير إلى أنّ «صفقات اللحظة الأخيرة» – كما يصفها كفاح محمود – تبقى العامل الحاسم في تسوية مثل هذه الصراعات، خاصة أن القوى السياسية العراقية تميل في النهاية إلى إعادة إنتاج التسويات التقليدية التي تضمن استمرار النظام القائم دون صدامات كبرى.
يعكس المشهد الانتخابي العراقي قبيل الاقتراع المقبل صراعاً متجدداً بين «التقاليد السياسية» و«الطموحات الجديدة». فمن جهة، هناك قوى تتمسك بالأعراف التي أرستها مرحلة ما بعد 2003 بوصفها ضمانة للاستقرار، ومن جهة أخرى، توجد أصوات تنادي بإعادة توزيع الأدوار بما يتناسب مع التحولات الراهنة في موازين القوى. وبين هذين الاتجاهين، يبدو أن العراق مقبل على جولة جديدة من المساومات الدقيقة التي ستحدد ليس فقط هوية الرؤساء الثلاثة، بل أيضاً شكل العلاقة بين المكونات الأساسية ومستقبل العرف السياسي الذي حكم البلاد طوال العقدين الماضيين.






