في خطوة أعادت خلط أوراق المواقف الغربية من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أعلنت حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نيتها المضي نحو الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في سبتمبر المقبل، ما لم تُقدم إسرائيل على خطوات ملموسة لتحسين الوضع الإنساني في غزة وإحياء عملية السلام. هذا التحول، الذي يحمل في طياته أبعادًا سياسية وإنسانية واستراتيجية، لم يمرّ مرور الكرام، بل استدعى ردًا غاضبًا من حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وتأييدًا ضمنيًا من باريس، واعتراضًا مباشرًا من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.
رد الفعل الإسرائيلي على هذا القرار جاء سريعًا، حيث اعتبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن الاعتراف البريطاني المرتقب يشكل “مكافأة لحماس”، ويشجع الإرهاب بدلًا من ردعه. وهي رواية طالما استخدمتها إسرائيل في معرض تبرير موقفها من الحقوق الفلسطينية، بتعميم اتهامها لحماس على كامل الطيف الوطني الفلسطيني. في المقابل، كانت وزيرة النقل البريطانية، هايدي ألكسندر، واضحة في تفنيد هذا الطرح، مؤكدة أن الأمر “لا علاقة له بحماس”، بل هو موقف أخلاقي وسياسي موجه لدعم الشعب الفلسطيني، لا سيما الأطفال الذين “يموتون جوعًا” في غزة، على حد تعبيرها، مشددة على ضرورة الضغط على إسرائيل لرفع الحصار والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية.
التحول البريطاني، الذي يحاكي إلى حد بعيد إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أيام عزمه الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر، يعكس شعورًا متناميًا في أوساط بعض القوى الغربية بأن سياسة الانتظار والمراهنة على حل تفاوضي لم تعد تجدي نفعًا. فالمفاوضات المعلّقة منذ سنوات، والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في الضفة الغربية، واستمرار الحصار على غزة، كلها عناصر دفعت باتجاه إحداث تغيير في المقاربة، والانتقال من موقع المتفرج إلى الفاعل الدبلوماسي.
لطالما التزمت بريطانيا وفرنسا ومعظم الدول الغربية بمبدأ الاعتراف بفلسطين كهدف مرتبط بنتائج المفاوضات، لكن الخطاب الجديد لستارمر كسر هذه القاعدة، من خلال ربط الاعتراف بإجراءات فورية وملموسة يجب على إسرائيل اتخاذها، مثل إدخال المساعدات إلى غزة، والامتناع عن ضم الضفة الغربية، وإظهار التزام حقيقي بمسار سلام يُفضي إلى حل الدولتين. وهذه الشروط، رغم واقعيتها، تصطدم مع نهج الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تميل أكثر إلى سياسات الضم والتوسع بدل التهدئة والحلول التوافقية.
من جهة أخرى، ترى لندن أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية قد يشكّل أداة ضغط سياسية جديدة، وفي الوقت ذاته يفتح الباب لترقية العلاقات الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية، عبر تحويل البعثة الفلسطينية في لندن إلى سفارة كاملة، وربما فتح سفارة بريطانية لاحقًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يمنح الدولة الفلسطينية الوليدة رمزية سياسية على الساحة الدولية، حتى لو لم يتغير واقع الاحتلال فعليًا.
أما على الصعيد الدولي، فإن خطوة بريطانيا، في حال تفعيلها، ستكون بمثابة شرارة لدفع مزيد من الدول الأوروبية إلى التخلي عن حذرها الدبلوماسي في هذا الملف، والانضمام إلى مسار الاعتراف الأحادي، كوسيلة لإعادة التوازن في العلاقة بين الضحية والجلاد، بين المحتل والمحتلّ، بعيدًا عن المعادلة السائدة التي تُعطي إسرائيل حق الفعل وتعطي الفلسطينيين مسؤولية التبرير.
ما يثير الانتباه أيضًا أن هذا التوجه البريطاني، رغم كونه مؤطرًا بشروط، يُعدّ تطورًا لافتًا في الموقف من القضية الفلسطينية، خاصة في ظل المناخ السياسي الأوروبي الذي يشهد صعودًا لليمين، وضغوطًا من جماعات الضغط الموالية لإسرائيل. لكنّ الحسابات السياسية الجديدة، سواء المتعلقة بالوضع الإنساني في غزة أو بإدراك فشل الرهان على حكومة إسرائيلية منفتحة على التسوية، جعلت الاعتراف بدولة فلسطين خيارًا مقبولًا حتى في دوائر صنع القرار التي كانت تعتبره سابقًا ضربًا من المثالية غير القابلة للتنفيذ.
في الخلاصة، لم تعد أوروبا بمنأى عن التصدعات الأخلاقية والسياسية التي يُحدثها استمرار الاحتلال الإسرائيلي. ومع اقتراب شهر سبتمبر، سيكون على حكومة تل أبيب أن تختار بين الانفتاح على واقع دولي جديد يتشكل، أو الاستمرار في عنادها السياسي، ما يعني المزيد من العزلة، وربما بداية تحول دولي شامل في النظرة إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يكون فيه الاعتراف بالدولة الفلسطينية الخطوة الأولى، لا الأخيرة.






