بعد نحو عامين من انطلاق «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا، تبدو محاولات السلام وكأنها تدور في حلقة مفرغة. فالمحادثات التي كان يُفترض أن تنعقد في بودابست بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب انهارت قبل أن تبدأ، تاركةً المشهد السياسي غارقًا في حالة من الغموض والتوجس. وبينما تتحدث موسكو عن استعدادها للحوار «من دون شروط مسبقة»، تصر كييف على مرجعيات لا تتقاطع مع ما يطرحه الكرملين، لتعود المسيرة الطويلة من المبادرات المجهضة إلى نقطة الصفر مجددًا.
ما يحدث اليوم ليس مجرد خلافٍ حول بنود اتفاق سلام، بل صراعٌ على رواية الحرب نفسها: هل كانت دفاعًا روسيًا عن الأمن القومي، أم حربًا توسعية لتكريس نفوذٍ إمبراطوريٍّ قديم؟
الإجابات تختلف باختلاف العواصم، لكن النتيجة واحدة: لا اتفاق في الأفق، ولا ملامح نهاية قريبة.
من بودابست إلى القرم… سجلّ الفرص الضائعة
يستعيد المراقبون جذور المأزق الحالي في سياقٍ أطول عمرًا من الحرب ذاتها. فبعد توقيع مذكرة بودابست عام 1994، التي تخلّت أوكرانيا بموجبها عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات أمنية من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا، كان يُفترض أن يتحول الملف النووي إلى جسرٍ للتفاهم بين موسكو وكييف. غير أن السنوات التالية حملت مسارًا معاكسًا: تراكمت الأزمات، وتآكلت الثقة، حتى أصبح النزاع حول شبه جزيرة القرم نقطة اللاعودة.
استفتاءات متتالية حاولت تثبيت وضع خاص للمنطقة، لكن كييف رفضت الاعتراف بنتائجها، إلى أن جاء استفتاء 2014 الذي انتهى بانفصال القرم وانضمامها إلى روسيا. ومعه، تحوّل الخلاف السياسي إلى قضية سيادة وهوية وطنية، ودخلت أوروبا وأميركا على الخط بعقوباتٍ متدرجة، لم تُوقف روسيا عن المضي في استراتيجيتها الجديدة، ولم تُقنع كييف بالتفاوض على أساس «الأمر الواقع».
في الجنوب الشرقي، كانت لوغانسك ودونيتسك تشتعلان. الانفصال الأحادي تبعته حربٌ استنزفت أوكرانيا لثماني سنوات، وانتهت باتفاقات مينسك برعاية ألمانيا وفرنسا وروسيا، التي اعترف رعاتها لاحقًا بأنها لم تكن سوى غطاءٍ لإعادة تسليح كييف. منذ ذلك الحين، أصبح الصراع يتجاوز حدود الجغرافيا إلى حربٍ باردةٍ مصغّرة على أبواب أوروبا.
السلام المؤجل… ومفاوضات إسطنبول التي أُجهضت سياسيًا
عندما بدأت العملية الروسية في فبراير (شباط) 2022، عاد الأمل مؤقتًا عبر محادثات بيلاروس ثم إسطنبول، برعاية تركية مباشرة.
توصّل الطرفان في مارس من العام نفسه إلى مسودة اتفاق تضمنت أبرز ما تطالب به موسكو: حياد أوكرانيا، وضمانات أمنية مشتركة، وتعهد بعدم الانضمام إلى حلف الناتو.
غير أن الاتفاق لم يُكتب له الحياة بعد تدخلٍ غربي مباشر، إذ تشير تقارير إلى أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون حثّ الرئيس زيلينسكي على التراجع، بدعم من إدارة بايدن آنذاك، خشية أن يؤدي الاتفاق إلى تقوية موقف موسكو في المدى الطويل.
كانت تلك اللحظة المفصلية التي تحوّل فيها المسار من سلامٍ ممكن إلى حربٍ ممتدة. فقد خسرت أوكرانيا منذ ذلك الحين أكثر من 20 في المئة من أراضيها، وتكبّدت عشرات آلاف القتلى، فيما ازدادت عزلة روسيا الاقتصادية والسياسية، من دون أن يتغيّر توازن القوى العسكري على نحوٍ حاسم.
بوتين بين الثقة والانتظار… و«ترمب» العائد إلى الوسط
في خضم الجمود، يقرأ البعض تردّد موسكو في توقيع أي اتفاق جديد بوصفه انعكاسًا لثقةٍ متزايدة في الميدان.
صحيفة كورييرا ديلا سيرا الإيطالية كتبت مؤخرًا أن بوتين «ليس في عجلة من أمره»، وأن القيادة الروسية ترى أن النصر في المعركة مسألة وقتٍ لا أكثر.
فمع التقدّم في كراسنوأرميسك (كارسنوارمييسك سابقًا)، وتراجع القوات الأوكرانية في دونيتسك، يشعر الكرملين بأنه يمتلك زمام المبادرة للمرة الأولى منذ بداية الحرب، وهو ما يقلّل من جاذبية أي اتفاق «يجمّد الانتصارات على الورق».
لكنّ هذا الموقف العسكري لا يخلو من حسابات سياسية داخلية. فبوتين الذي واجه في بدايات الحرب انتقادات بسبب الأخطاء الميدانية، بات اليوم يقدّم نفسه كقائدٍ صبور يفضّل «الإنجاز البطيء المضمون» على سلامٍ هشّ.
أما في واشنطن، فإن عودة ترمب إلى واجهة الوساطة — بعد تراجعه عن لقاء بوتين في بودابست — تبدو محاولة لاستعادة المبادرة الدبلوماسية من بايدن، وإعادة تشكيل السياسة الخارجية الأميركية وفق معادلة جديدة: «السلام من موقع القوة، لا من منطق التنازلات».
رمزية الماضي… وحنين موسكو إلى “الأس أس أس أر”
في تفاصيل صغيرة تتكثف الرموز الكبرى. حين ظهر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في ألاسكا مرتديًا قميصًا كتب عليه “СССР” (الاتحاد السوفياتي)، قرأ كثيرون ذلك بوصفه إشارة رمزية إلى عودة روسيا لوعيها الإمبراطوري.
إنها ليست نوستالجيا بسيطة، بل سردية متكاملة تبني شرعية الحرب على إرث «بطرس الأكبر» الذي قال بوتين إنه يقتفي أثره في استعادة الأراضي «الروسية التاريخية».
وما بين استعادة المجد السوفياتي المفقود وتبرير السياسات الحالية، تميل موسكو إلى خطابٍ مزدوج: عاطفي تجاه التاريخ، وبراغماتي تجاه الجغرافيا.
في المقابل، يتسلّح الغرب بخطابٍ قانوني-أخلاقي حول السيادة وحرمة الحدود، بينما يذكّر بوتين بأن «حق تقرير المصير» هو ذاته الذي استخدمته أوروبا لتبرير استقلال كوسوفو. المفارقة أن كلا الطرفين يستند إلى مبادئ الأمم المتحدة ذاتها، لكن كلٌّ منهما يقرأها بما يخدم موقعه.
نهاية مفتوحة لصراع بلا منتصر
اليوم، لا يملك أي من الطرفين مصلحة حقيقية في إنهاء الحرب. فموسكو تراهن على الوقت لتكريس وقائع ميدانية جديدة، وكييف تراهن على الدعم الغربي لتعويض خسائرها، فيما يبدو المجتمع الدولي مرهقًا من حربٍ طويلة بلا أفق.
تراجُع ترمب عن لقاء بوتين ليس سوى عرضٍ جانبي لمعادلة أكبر: أن السلام في أوكرانيا لم يعد قرارًا أوكرانيًا أو روسيًا خالصًا، بل أصبح رهينة شبكةٍ معقدة من المصالح الدولية، من واشنطن إلى بروكسل مرورًا ببكين وأنقرة.
النتيجة المؤقتة أن السلام في أوكرانيا مؤجل إلى إشعارٍ آخر، ريثما يقرّر أحد الطرفين أن النصر بات مكلفًا أكثر مما يستحق. وحتى ذلك الحين، تبقى الحرب جرحًا مفتوحًا في خاصرة أوروبا، ومختبرًا عالميًا يعيد رسم حدود القوة في القرن الحادي والعشرين.






