في تصريح مفاجئ يعكس تغيراً في نبرة البيت الأبيض تجاه موسكو، عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن “خيبة أمل شديدة” من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، مؤكداً أن إدارته ستتخذ إجراءات تهدف إلى تقليص عدد القتلى في الحرب الروسية – الأوكرانية.
ورغم أن ترمب لم يوضح طبيعة هذه الإجراءات، إلا أن اختياره التعبير عن الاستياء علناً يشي بأن العلاقة الشخصية التي طالما تغنّى بها مع بوتين تمر بمرحلة جفاء سياسي، قد تدفع واشنطن إلى إعادة صياغة استراتيجيتها إزاء النزاع.
زيلينسكي يحذّر من حشود جديدة
في المقابل، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا تواصل حشد قواتها في قطاعات معينة من خط الجبهة، متهماً بوتين برفض الانصياع لخيار السلام.
حديث زيلينسكي يعكس محاولة مزدوجة: من جهة إبقاء الرأي العام الداخلي متيقظاً إزاء استمرار التهديد الروسي، ومن جهة أخرى تعزيز حجته أمام الحلفاء الغربيين بضرورة تسريع دعم بلاده بالأسلحة والدفاعات الجوية.
هجمات على الداخل الروسي
لم يعد العمق الروسي بمنأى عن تداعيات الحرب. ففي مدينة روستوف، تم إجلاء أكثر من 300 شخص بعد سقوط طائرات مسيرة أوكرانية على مبانٍ سكنية. ورغم أن الدفاعات الجوية الروسية أعلنت تدمير 13 مسيرة، فإن الأضرار التي لحقت بالمدينة وإصابة ثلاثة مدنيين بينهم طفل، تضع موسكو أمام معضلة أمنية داخلية تتزايد خطورتها كلما اتسع نطاق الضربات الأوكرانية.
الهجوم يسلط الضوء على هشاشة الأمن في المناطق الحدودية، ويعزز المخاوف الروسية من تحوّل الحرب إلى استنزاف طويل المدى يتجاوز ميادين القتال المباشرة.
أوكرانيا وحلف الناتو: الحاجة إلى “باتريوت”
تزامناً مع التطورات الميدانية، عقدت كييف اجتماعاً طارئاً مع مجلس الناتو طالبت خلاله بمزيد من أنظمة الدفاع الجوي “باتريوت” وصواريخ بعيدة المدى.
هذا الطلب يضع الحلف أمام اختبار صعب: هل يكتفي بتقديم الدعم الدفاعي التقليدي أم يغامر بتزويد أوكرانيا بأسلحة نوعية قد تجرّ روسيا إلى تصعيد أكبر؟
ردود الناتو التي اقتصرت على التنديد بالهجمات الروسية تكشف عن فجوة بين تطلعات أوكرانيا واستعداد الحلف للمواجهة المباشرة، خصوصاً في ظل غياب مؤشرات على انخراط أميركي واسع النطاق.
الضمانات الأمنية بين باريس وواشنطن
في موازاة ذلك، تستعد فرنسا لاستضافة اجتماع عبر الإنترنت يضم نحو 30 دولة لبحث الضمانات الأمنية المحتملة لأوكرانيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام.
لكن هذه الجهود، التي تقودها باريس ولندن، تصطدم بعقبة أساسية: الحاجة إلى مظلة أميركية تضمن أي التزامات عسكرية مستقبلية. ورغم المحاولات الأوروبية لتقديم “تحالف الراغبين” كبديل، إلا أن غياب الدعم الأميركي الكافي يجعل هذه الضمانات أقرب إلى إعلان نوايا من كونها خططاً قابلة للتنفيذ.
قراءة في المشهد العام
تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب الأوكرانية تدخل مرحلة أكثر تعقيداً من ذي قبل، إذ باتت الأطراف الثلاثة الرئيسية ـ الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا ـ أمام خيارات ضيقة وحسابات شائكة. فالولايات المتحدة، التي طالما لعبت دور الموازن بين تشديد الدعم العسكري وضبط التوتر مع موسكو، تبدو اليوم مضطرة إلى إعادة تقييم موقفها بعد أن بدأ شركاؤها الأوروبيون يطالبونها بضمانات أمنية واضحة لا يمكن لأي تحالف إقليمي أن يوفّرها بمعزل عن المظلة الأميركية. هذا التردد يضع إدارة ترمب بين مطرقة إرضاء حلفائها الغربيين وسندان الحفاظ على خيط رفيع مع روسيا، بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا تريدها واشنطن.
أما روسيا، فهي ماضية في استراتيجيتها القائمة على التوسع الميداني ورفض أي تنازل على طاولة التفاوض، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها أمام معضلة لم تواجهها منذ بداية الحرب: تصعيد أمني متزايد داخل أراضيها نتيجة الضربات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة. هذه الهجمات، وإن لم تغيّر في موازين القوى على الجبهات، فإنها تضعف صورة الكرملين داخلياً وتزرع الشك في قدرة الدولة على حماية مدنها، الأمر الذي قد يتحول مع مرور الوقت إلى عامل ضغط على القيادة الروسية نفسها.
وفي المقابل، تبدو أوكرانيا عازمة على مواصلة استنزاف موسكو باستخدام تكتيكات الضربات النوعية وحرب المسيّرات، مستفيدة من كل فرصة لتذكير الرأي العام العالمي بأنها ضحية عدوان خارجي. غير أن كييف، رغم حيويتها في إدارة المعركة، تدرك أن استمرار الحرب دون حسم عسكري أو تسوية سياسية سيضعف قدرتها على الصمود، ما لم يتسارع تدفق الدعم الغربي النوعي. فالمعادلة بالنسبة لها لم تعد مجرد صدّ الهجمات الروسية، بل الحفاظ على قدرة دفاعية تمنع الانهيار الكامل وتبقي أوراقاً تفاوضية بيدها في حال اضطر الجميع للجلوس إلى الطاولة.
المشهد إذن لا يعكس أي مؤشرات على قرب الانفراج، بل يشي بتصاعد الضغوط على جميع الأطراف في آن واحد. الولايات المتحدة مطالبة بحسم خياراتها وتوضيح سقف التزامها تجاه كييف، وروسيا تواجه اختباراً غير مسبوق في الداخل يهدد صورتها كقوة صلبة، فيما تسابق أوكرانيا الزمن لتأمين دعم عسكري وسياسي مستدام قبل أن تتحول الحرب تدريجياً إلى معركة استنزاف طويلة الأمد، قد تفقدها تدريجياً الكثير من أوراقها التفاوضية، وتفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر قتامة للمنطقة بأكملها.






